رغد بنت زيد
دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقل الخطاب الإيراني من التهديد بالرد على العقوبات والضغوط الاقتصادية إلى التلويح بأوراق استراتيجية شديدة الخطورة، في مقدمتها احتمال إعادة النظر في مسألة امتلاك السلاح النووي، إلى جانب التهديد بإبقاء مضيق هرمز مغلقاً أمام الدول التي تنخرط في الضغوط على طهران.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على إيران، بينما تحاول القيادة الإيرانية إدارة الأزمة عبر مسارين متوازيين الأول يقوم على رفع سقف الردع والتهديد، والثاني يسعى إلى إبقاء باب التفاوض مفتوحاً لتجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتكشف تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي عن محاولة واضحة لإعادة رسم معادلة الردع. فالتلويح بإمكانية امتلاك سلاح نووي لا يمثل، بالضرورة، إعلاناً عن قرار إيراني نهائي بالاتجاه نحو تصنيع قنبلة نووية، لكنه يحمل رسالة سياسية بالغة القوة إلى الولايات المتحدة والدول الغربية.
فالمنطق الذي تطرحه طهران يقوم على أن استمرار التزامها بالقيود الدولية والتعاون مع المؤسسات الدولية لم يمنع تعرضها للضغوط والهجمات، وبالتالي فإن استمرار هذه الالتزامات يصبح، من وجهة نظرها، بحاجة إلى مراجعة إذا لم يقابله ضمان لأمنها ومصالحها.
وهنا تكمن خطورة التصعيد إذ إن مجرد إدخال فكرة امتلاك السلاح النووي إلى الخطاب الرسمي يرفع سقف الأزمة من خلاف حول العقوبات والبرنامج النووي إلى نقاش يتعلق بمستقبل التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
أما مضيق هرمز، فيمثل الورقة الاقتصادية الأخطر في يد إيران. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، وإنما شريان رئيسي لتجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب واسع في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط والتجارة والأسواق الدولية.
وعندما تلوّح طهران بمنع وصول النفط إلى الدول التي تشارك في العقوبات، فإنها تحاول نقل المواجهة من الساحة السياسية إلى الاقتصاد العالمي، وإفهام خصومها بأن الضغط على إيران لن يبقى بلا تكلفة.
لكن استخدام هرمز كسلاح يحمل مخاطر كبيرة على إيران نفسها. فأي إغلاق فعلي للمضيق قد يؤدي إلى ردود فعل دولية واسعة، ويزيد احتمالات المواجهة العسكرية، كما قد يضر بالاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بدوره على تصدير النفط والتجارة عبر الممرات البحرية.
وهنا تبدو المعادلة أكثر تعقيداً: إيران تستطيع تهديد حركة الطاقة العالمية، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع ثمناً اقتصادياً وسياسياً كبيراً إذا انتقلت من التهديد إلى التنفيذ.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، يحاول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تقديم خطاب مختلف، يقوم على فتح الطريق أمام التسوية السياسية وإنهاء حالة «لا حرب ولا سلام».
ويبدو أن بزشكيان يدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة يضع الاقتصاد الإيراني أمام استنزاف طويل، ولذلك يحاول تقديم التفاوض باعتباره وسيلة لحماية المصالح الإيرانية، وليس تنازلاً أمام الولايات المتحدة.
وهذا التباين في الخطاب الإيراني لا يعني بالضرورة وجود انقسام داخل مؤسسات القرار، بل يمكن فهمه باعتباره توزيعاً للأدوار في إدارة الأزمة فهناك من يرفع سقف التهديد لإجبار الخصم على إعادة حساباته، وهناك من يحاول استخدام تلك الضغوط لانتزاع شروط أفضل على طاولة المفاوضات.
ويبقى الاقتصاد العامل الأكثر حسماً في هذه المعادلة.
فمهما بلغت قوة إيران العسكرية وقدرتها على استخدام أوراق الضغط الإقليمية، فإن العقوبات وتراجع الاستثمارات والضغوط على صادرات النفط وتحديات السيولة والإنتاج تشكل قيوداً حقيقية على قدرة البلاد على خوض مواجهة طويلة.
ومن هنا فإن تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بشأن الحاجة إلى دعم الاقتصاد والاستثمار والإنتاج تكشف جانباً مهماً من الحسابات الداخلية إذ لا يمكن لأي دولة أن تعتمد على الردع العسكري وحده بينما تواجه ضغوطاً اقتصادية متراكمة.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران أهمية خاصة، في ظل محاولات إسلام آباد دعم جهود التهدئة والوساطة بين طهران وواشنطن.
فالوساطة الباكستانية تأتي في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى طرف قادر على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، خصوصاً أن استمرار التصعيد قد يقود إلى خطوات متبادلة يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة.
وتبدو إيران اليوم وكأنها تتحرك على حافة دقيقة بين التصعيد والتفاوض. فهي تريد إظهار قدرتها على الرد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إغلاق جميع أبواب التسوية.
أما الولايات المتحدة، فتواجه معادلة مقابلة: استمرار العقوبات قد يدفع طهران إلى مزيد من التصعيد، بينما تخفيف الضغوط من دون ضمانات قد يُفسر على أنه تراجع أمام التهديد الإيراني.
وبين المسارين، يبقى الملف النووي ومضيق هرمز أخطر ورقتين في المواجهة الحالية.
فالنووي يمثل بالنسبة إلى إيران ورقة ردع استراتيجية، بينما يمثل هرمز ورقة ضغط اقتصادية عالمية. واستخدام أي منهما بصورة فعلية قد يؤدي إلى تغيير قواعد اللعبة وإدخال المنطقة في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت إيران ستصعّد أو تفاوض، بل كيف ستستخدم التصعيد للوصول إلى التفاوض، وكيف ستستخدم التفاوض لمنع التصعيد من التحول إلى حرب شاملة؟
وفي النهاية، تبدو طهران أمام اختبار صعب: الحفاظ على هيبة الردع من دون تجاوز الخطوط التي قد تستدعي مواجهة مباشرة، وتخفيف الضغوط الاقتصادية من دون تقديم تنازلات تعتبرها القيادة الإيرانية مساساً بالسيادة.
أما واشنطن، فعليها أن تدرك أن دفع إيران إلى الزاوية قد لا يؤدي بالضرورة إلى استسلامها، بل ربما يدفعها إلى استخدام أوراق أكثر خطورة.
وبين العقوبات والنووي وهرمز، تقف المنطقة أمام مفترق طرق جديد إما أن تتحول لغة التهديد إلى وسيلة لفتح باب تفاوض جاد، وإما أن تتحول التهديدات المتبادلة إلى واقع ميداني يصعب احتواؤه، وعندها لن تكون كلفة المواجهة إيرانية أو أميركية فقط، بل ستدفع المنطقة بأكملها ثمنها.







