حرية
في تحول لافت قد يفتح باباً جديداً للتصعيد، أعلنت طهران أن عقيدتها العسكرية تتجه تدريجياً نحو العمليات الاستباقية، مؤكدة أنها قد تتحرك عسكرياً كلما رصدت تهديداً ضدها، بالتزامن مع تحرك أميركي ـ أوروبي لتصعيد الضغط على إيران عبر الملف النووي والعقوبات المالية.
وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني العميد محمد أكرمي نيا إن القوات الإيرانية ستنفذ عمليات استباقية عندما تشعر بوجود تهديد، في إشارة إلى انتقال العقيدة العسكرية من الاكتفاء بالرد على الهجمات إلى محاولة إحباط التهديد قبل وقوعه.
وأضاف أن طهران سترد بصورة «أسرع وأكثر شدة» في حال تعرضها لهجوم جديد، فيما تحدث قادة في الدفاع الجوي الإيراني عن استعداد قواتهم لمختلف أشكال المواجهة، مؤكدين أن التهديدات لم تنتهِ وأن العمل مستمر على تطوير ونشر منظومات دفاعية جديدة.
النووي يدخل مرحلة أكثر خطورة
وبالتزامن مع التصعيد العسكري، تتحرك الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا باتجاه تصعيد دبلوماسي ضد طهران، عبر مشروع قرار في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يمهد لإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي.
وتقول الدول الغربية إن إيران لم تلتزم بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار، فيما لا تزال الوكالة الدولية عاجزة عن التحقق بصورة كاملة من وضع جزء مهم من مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ومواقع نووية تعرضت للضربات.
وبحسب الوكالة الدولية، كانت إيران تمتلك قبل الضربات كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60 في المئة، بينما لم تتمكن الوكالة من استعادة الوصول الكامل إلى عدد من المواقع منذ الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية.
ويحمل مشروع القرار أهمية سياسية كبيرة، باعتباره أول مسعى من هذا النوع منذ سنوات لإعادة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن، رغم أن أي إجراءات لاحقة داخل المجلس قد تواجه عقبات بسبب مواقف روسيا والصين.
واشنطن تفتح جبهة المال
ولم تكتفِ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالضغط النووي، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات جديدة على ثلاثة كيانات مالية مقرها تركيا، بينها بنك غولدن غلوبال للاستثمار وشركتان تابعتان له.
واتهمت واشنطن هذه المؤسسات بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، بما في ذلك قنوات تساعد طهران على تحريك أموالها دولياً، بينما أدرجت وزارة الخزانة الكيانات الثلاثة على قائمة العقوبات الأميركية.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن واشنطن تعمل على قطع ما وصفته بـ«شرايين الحياة المالية» للنظام الإيراني، في إطار حملة تهدف إلى تضييق الخناق على مصادر التمويل الإيرانية وشبكاتها الدولية.
وتكتسب العقوبات أهمية إضافية لأنها طالت مؤسسة مالية في تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، ما يوسع نطاق المواجهة الاقتصادية ويضع العلاقات الأميركية ـ التركية أمام اختبار جديد.
المشهد الحالي يعكس تعدد جبهات الضغط على إيران؛ عسكرياً، تلوّح طهران بتغيير قواعد الاشتباك والانتقال إلى الضربات الاستباقية، ودبلوماسياً تواجه تحركاً غربياً لإعادة ملفها النووي إلى مجلس الأمن، واقتصادياً تتعرض شبكاتها المالية لمزيد من العقوبات.
والأخطر أن هذه المسارات تتحرك في الوقت نفسه، ما يقلص مساحة المناورة أمام جميع الأطراف.
إعلان إيران تبني خيار «العمل الاستباقي» لا يعني بالضرورة أن ضربة إيرانية وشيكة باتت محسومة، لكنه يمثل رسالة ردع شديدة الوضوح بأن طهران تريد الاحتفاظ بحق المبادرة العسكرية إذا رأت أن خصومها يستعدون لاستهدافها.
في المقابل، فإن إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن، حتى لو بقيت تداعياتها المباشرة محدودة بسبب احتمال استخدام روسيا أو الصين حق النقض، ستزيد الضغط السياسي والاقتصادي على طهران.
وبين التهديد العسكري والتصعيد النووي والخنق المالي، تبدو المنطقة أمام مرحلة أكثر هشاشة، يصبح فيها أي خطأ في الحسابات أو ضربة غير محسوبة قادراً على نقل المواجهة من سياسة الردع إلى جولة جديدة من الصراع المفتوح.







