احمد الخضر
يشهد الفضاء الرقمي العراقي في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في المحتوى الهابط والتافه على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات هذا النوع من المحتوى يفرض حضوره بشكل يومي على شاشات الهواتف ومنصات المشاهدة، الأمر الذي يثير قلقاً مجتمعياً واسعاً بشأن تأثيره على وعي الأجيال الجديدة ومنظومة القيم الاجتماعية والثقافية في العراق.
فالمتابع لهذه المنصات يلاحظ انتشار مقاطع تتضمن رقصاً وإيحاءات غير لائقة من قبل مراهقات وشابات، فضلاً عن بثوث مباشرة تستعرض أنماط حياة قائمة على المظاهر والمال والهدايا الباذخة، تُقدَّم أحياناً لشخصيات لا تمتلك أي إنجاز ثقافي أو علمي أو اجتماعي ، وشخصيات فاقدة للأخلاق و الحشمة والالتزام لكنها تتحول بفعل الترويج الإلكتروني إلى “قدوة” لدى بعض المراهقات، في وقت يفترض أن تكون النماذج الملهمة هي الشخصيات العراقية التي تركت أثراً حقيقياً في مجالات الأدب والعلم والفكر، مثل زها حديد ونازك الملائكة وغيرهما من الرموز العراقية المشرّفة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتعداه إلى انتشار محتوى يتضمن الإساءة للحيوانات والتنمر والعنف والسلوكيات غير الإنسانية، يقدمها بعض صناع المحتوى على أنها مادة للترفيه أو جذب المشاهدات، في مشهد يعكس حالة من الفراغ الثقافي وضعف المسؤولية الأخلاقية لدى البعض.
كما تبرز مخاوف مجتمعية من استغلال بعض الحسابات والبثوث المباشرة لمواقع التواصل في الترويج لسلوكيات ااخلاقية منحطة مثل التباهي بالدعارة و الخلاعة و المساكنة الغير شرعية بين الرجال والنساء وهي حالات دخيلة على المجتمع العراقي وقيمه، أو في تشويه الهوية الوطنية وتسويق صورة سلبية عن العراق وشعبه، عبر محتوى يقوم على الإثارة والابتذال والتسقيط بدلاً من تقديم صورة حضارية ومتوازنة عن المجتمع.
وفي المقابل، تظهر تجارب العديد من الشعوب الأخرى على مواقع التواصل اهتماماً أكبر بالمحتوى المعرفي والإنساني؛ كالحفاظ على البيئة، والتوعية الصحية، واحترام الحيوان، ونشر الثقافة والعلوم والفنون، حتى ضمن المحتوى الترفيهي الذي غالباً ما يبقى ضمن حدود الذوق العام دون الانزلاق نحو الإثارة أو الإسفاف.
إن معالجة هذه الظاهرة لا ترتبط بحجب مواقع التواصل أو محاربتها بحد ذاتها، بل بوجود رقابة قانونية ومجتمعية أكثر فاعلية تجاه المحتوى الذي يهدد القيم العامة أو يستهدف فئة المراهقين والمراهقات بأساليب تقوم على التضليل والتأثير النفسي والثقافي. كما يتطلب الأمر دعماً حقيقياً لصناع المحتوى الهادف الذين يسهمون في نشر الوعي والثقافة وتعزيز الانتماء الوطني والتعايش السلمي، وتسليط الضوء على مجالات العلم والاقتصاد والتاريخ والرياضة والفنون والسياسة بصورة رصينة ومسؤولة.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع العراقي وقدرته على حماية هويته الثقافية والأخلاقية، في مواجهة موجات التفاهة و الانحطاط الخلقي والتشويه التي تحاول تحويل منصات التواصل من أدوات معرفة وتواصل إلى وسائل للابتذال والتأثير السلبي على الأجيال الجديدة ..







