حرية
كتب حسن الحيدري
العراق ليس سويسرا ولا يمكن التعامل معه بمنطق الدول المستقرة التي حسمت منذ عقود ملفات الدولة والسلاح والهوية والمصالح العراق بلد مختلف بلد يمتلك من الثروات والموقع الجغرافي والتاريخ والتنوع ما يجعله محط اهتمام اقليمي ودولي دائم
فلا يخفىما يمتلكه من ثروة نفطية هائلةوموقعااستراتيجيا يربط مناطق مهمة من العالم فضلا عن موارده البشرية واسواقه الواسعة وامكاناته الزراعية والصناعية ولهذا فان الاهتمام الدولي بالعراق لم يكن يوما مجرد اهتمام عابر فهناك دول صناعية كبرى تنظر الى موارده واسواقه باعتبارها جزءا من مصالحها الاقتصادية ودول اخرى تبحث عن فرص العمل والاستثمار والاسواق وهجرة البطالة والزيادات السكانية لدبها في وقت يبقى فيه النفط العراقي عنصرا مهما في حسابات الاقتصاد العالمي وليس سرا ان المصالح الدولية كثيرا ما كانت حاضرة في تاريخ العراق الحديث بل ان بعضها وصل في مراحل معينة الى التدخل العسكري المباشر وما خلفته تلك التدخلات من اثار سياسية وامنية واجتماعية ما زالت حاضرة في المشهد العراقي حتى اليوم لكن مشكلة العراق لا تختصر في ثرواته او في الاطماع الخارجية فالعراق بطبيعته الاجتماعيةوالتاريخية مجتمع شديد التنوع قوميات متعددة ومذاهب واتجاهات سياسية وفكرية واجتماعية متجذرة ومصالح متشابكة وهذا التنوع يمكن ان يكون مصدر قوة كبيرة للدولة اذا ادير ضمن اطار المواطنة والقانون لكنه قد يتحول الى مصدر توتر عندما تشعر بعض الاطراف بانها بحاجة الى حماية نفسها او مصالحها خارج مؤسسات الدولة ومن هنا تاتي واحدة من اصعب القضايا التي تواجه الحكومة العراقية وهي ملف السلاح وحصره بيد الدولة
فالمسالة ليست مجرد قرار اداري يمكن تنفيذه بين ليلة وضحاها وانما هي قضية مرتبطة بتراكمات طويلة وبمخاوف امنية وسياسية لدى اطراف مختلفة ولسنوات من عدم الاستقرار جعلت بعض القوى ترى في امتلاك السلاح وسيلة لحمايةوجودها ومصالحهاولهذا فان معالجة هذا الملف تحتاج الى قوة الدولة ولكنها تحتاج في الوقت نفسه الى الحكمة والحوار والطمئنة وبناء الثقة
فالدولة القوية ليست التي تستخدم القوة في كل ملف وانما التي تستطيع اقناع مختلف الاطراف بان القانون قادر على حماية الجميع وان احتكار الدولة للسلاح ليس موجها ضد مكون او حزب او جماعة بل هو الاساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة
لذا يبدو ان شهر سبتمبر المقبل قد يكون من اكثر الاشهر ثقلا امام السيد رئيس مجلس الوزراء وحكومته خصوصا مع تداخل الملفات الامنيةوالسياسيةوالاقتصادية وثقل الاستحقاقات التي تحتاج الى قرارات دقيقة وحسابات هادئةوقد تكون الدقائق القادمة اثقل من غيرها على صانع القرار العراقي لان بعض الملفات لم تعد تحتمل التاجيل الى ما لا نهاية وفي مقدمتها تعزيز هيبة الدولة وترسيخ الامن وحماية مصالح العراق من دون الانجرار الى صدامات داخلية قد يدفع ثمنهاالمواطن قبل غيره فالعراق اليوم بحاجة الى مرحلة جديدة مرحلة لا تقوم على الغاء التنوع ولا على تخويف المكونات من بعضها ولا على ترك السلاح خارج اطار الدولة وانما على قاعدة واضحة
الجميع شركاء في الوطن والدولة هي الضامن للجميع والقانون فوق الجميع
وفي النهاية فان الطريق امام الحكومة ليس سهلا والقرارات الصعبة لا تتخذ في بيئة هادئة لذلك فاننا ندعو الله جل في علاه ان يمنح رئيس مجلس الوزراء الصبر والحكمة وقوة التحمل وان يعينه على اتخاذ ما فيه خير العراق والعراقيين وان تمر المرحلة المقبلة باقل قدر ممكن من التوتر وان تكون مصلحة العراق ووحدته وامن شعبه هي البوصلة التي تحكم جميع القرارات فالعراق ليس سويسرا وهذا صحيح
لكنه ايضا ليس بلدا عاجزا عن بناء دولة قوية
العراق بلد كبير بثرواته وتاريخه وشعبه وما يحتاجه قبل اي شيء هو ان تتحول هذه الامكانات من اسباب للتنافس والصراع الى اسباب للقوة والاستقرار والازدهار……







