حرية
كشفت بيانات رسمية صادرة عن وزارة المالية العراقية عن تحول لافت في هيكل الإيرادات العامة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مع ارتفاع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى 16% من إجمالي إيرادات الموازنة، مقابل 9% خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بالتزامن مع تراجع مساهمة النفط إلى 84% بعد أن كانت 91%.
ورغم أن النفط لا يزال المصدر الرئيس لتمويل الخزينة العراقية، فإن الأرقام تعكس بداية تغير نسبي في هيكل الموارد المالية، وإن جاء هذا التحول مدفوعاً بتراجع الإيرادات النفطية أكثر من كونه نتيجة لاستقلال اقتصادي كامل عن النفط.
تراجع كبير في الإيرادات
وبحسب تقرير وزارة المالية، بلغ إجمالي إيرادات الموازنة الاتحادية حتى نهاية شهر أيار 2026 نحو 33.747 تريليون دينار، مقارنة مع 46.157 تريليون دينار خلال الفترة ذاتها من عام 2025، بانخفاض بلغ 12.410 تريليون دينار، أي ما يقارب 26.9%.
وجاء هذا الانخفاض نتيجة تراجع الإيرادات النفطية وإيرادات الثروات المعدنية إلى 26.946 تريليون دينار، بعد أن كانت 41.931 تريليون دينار في العام السابق، بخسارة تجاوزت 14.9 تريليون دينار، وبنسبة انخفاض بلغت 35.7%.
في المقابل، واصلت الإيرادات غير النفطية تحقيق نمو ملحوظ، إذ ارتفعت إلى 6.477 تريليونات دينار مقارنة مع 4.226 تريليونات دينار في الفترة نفسها من عام 2025، مسجلة زيادة بلغت 2.251 تريليون دينار، وبنسبة نمو وصلت إلى 53.3%.
تحسن في الموارد المحلية
وأظهرت البيانات تحسناً في أغلب مصادر الإيرادات غير النفطية، حيث ارتفعت حصيلة الضرائب على الدخل والثروة، كما سجلت الضرائب السلعية ورسوم الإنتاج نمواً واضحاً، إلى جانب زيادة الرسوم الحكومية، وارتفاع أرباح الشركات والقطاع العام المحولة إلى الموازنة.
كما بين التقرير أن إجمالي الإيرادات النفطية لعام 2026 تضمن أكثر من 2.09 تريليون دينار تمثل إيرادات النفط المسلمة من إقليم كوردستان إلى خزينة الدولة بعد إجراء التسويات المحاسبية.
قراءة وتحليل
تكشف هذه الأرقام عن مفارقة اقتصادية مهمة؛ فارتفاع نسبة مساهمة الإيرادات غير النفطية لا يعني بالضرورة أن العراق نجح في تنويع اقتصاده بصورة جوهرية، بل يعود بدرجة كبيرة إلى الانخفاض الحاد في الإيرادات النفطية، الذي رفع الوزن النسبي للموارد الأخرى داخل الموازنة.
ومع ذلك، فإن النمو الذي تجاوز 53% في الإيرادات غير النفطية يمثل مؤشراً إيجابياً على تحسن أداء بعض القطاعات المالية، خصوصاً الضرائب والرسوم وأرباح القطاع العام، وهو ما قد يعكس تحسناً في إجراءات الجباية والإدارة المالية.
هل بدأ التنويع الاقتصادي؟
رغم التحسن المسجل، فإن اعتماد الموازنة على النفط بنسبة 84% يؤكد أن الاقتصاد العراقي ما يزال شديد الارتباط بأسواق الطاقة العالمية، وأن أي انخفاض في أسعار النفط أو الصادرات ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل الإنفاق العام.
لذلك، فإن الوصول إلى مساهمة غير نفطية تبلغ 16% يمثل تقدماً نسبياً، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى التحول الهيكلي الذي تتطلبه عملية تنويع الاقتصاد، إذ ما تزال مساهمة القطاعات الإنتاجية والصناعية والزراعية محدودة مقارنة بحجم الاقتصاد النفطي.
ماذا تعني هذه الأرقام؟
اقتصادياً، تشير البيانات إلى أن الحكومة نجحت في تعزيز بعض مصادر الإيرادات المحلية، لكنها في الوقت نفسه واجهت ضغوطاً كبيرة بسبب انخفاض العائدات النفطية، وهو ما أدى إلى تراجع إجمالي الإيرادات رغم الأداء الإيجابي للموارد غير النفطية.
كما تعكس الأرقام أهمية استمرار الإصلاحات المالية، ولا سيما في مجالات توسيع القاعدة الضريبية، وتطوير الجمارك، وتعظيم إيرادات مؤسسات الدولة، وتقليل الهدر المالي، بما يخفف من تقلبات الموازنة المرتبطة بأسعار النفط.
هل يكفي هذا التحول؟
يرى خبراء الاقتصاد أن نجاح العراق في تقليل الاعتماد على النفط لن يتحقق بمجرد زيادة الضرائب والرسوم، بل يتطلب بناء قطاعات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل، مثل الصناعة، والزراعة، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والاستثمار الخاص.
ومن دون هذا التحول، ستظل الإيرادات غير النفطية محدودة التأثير مقارنة بحجم الإنفاق الحكومي، وسيبقى النفط المصدر الحاسم لاستقرار المالية العامة.
تقدم بيانات وزارة المالية مؤشراً على تحسن نسبي في الإيرادات غير النفطية، لكنها في الوقت نفسه تكشف استمرار هشاشة الهيكل المالي العراقي أمام تقلبات سوق النفط. فالزيادة في مساهمة الموارد المحلية تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن الطريق نحو اقتصاد أقل اعتماداً على النفط ما يزال يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، تترجم شعار “تنويع الإيرادات” إلى واقع اقتصادي مستدام، بدلاً من أن يبقى نتيجة مؤقتة لانخفاض العائدات النفطية.







