حرية
في خطوة تعكس ملامح المرحلة المقبلة للسياسة النقدية الأميركية، بدأ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، تشكيل فريقه الاقتصادي عبر تعيين مستشارين بارزين يتمتعان بخبرة طويلة داخل البنك المركزي، في إشارة إلى أن المؤسسة تتجه نحو مراجعة أدواتها التقليدية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات معقدة تتجاوز مجرد خفض أسعار الفائدة.
وجاء اختيار الاقتصاديين دانيال كوفيتز وإريك إنغستروم ليؤكد أن أولويات القيادة الجديدة تتمحور حول فهم التغيرات التي طرأت على أسواق المال الأميركية، ولا سيما استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة، رغم دورة التيسير النقدي التي شهدها الاقتصاد خلال عامي 2024 و2025.
فريق اقتصادي يعيد تقييم أدوات الفيدرالي
لا يقتصر دور المستشارين الاقتصاديين لرئيس الاحتياطي الفيدرالي على تقديم المشورة الفنية، بل يشاركون في صياغة الرؤية الفكرية للمؤسسة، وإعداد الخطابات والبحوث وتحليل البيانات الاقتصادية اليومية، وهي وظائف تجعلهم مؤثرين في رسم اتجاهات السياسة النقدية.
واختيار كوفيتز وإنغستروم يحمل دلالة خاصة، فهما من الاقتصاديين الذين ركزت أبحاثهم خلال السنوات الأخيرة على تقييم فعالية أدوات التواصل التي يستخدمها الاحتياطي الفيدرالي مع الأسواق، إضافة إلى دراسة الأسباب الحقيقية وراء تحركات سوق السندات.
وفي الوقت نفسه، استعان وارش بعدد من الخبراء الخارجيين للإشراف على مرحلة انتقالية تشمل تشكيل خمس فرق عمل تراجع أداء البنك المركزي وآليات عمله، ما يشير إلى رغبة واضحة في إعادة تقييم بعض السياسات التي أصبحت جزءاً من نهج الاحتياطي الفيدرالي خلال العقدين الماضيين.
لماذا ترتفع عوائد السندات رغم خفض الفائدة؟
في الظروف الطبيعية، يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى انخفاض تكلفة الاقتراض وتراجع عوائد السندات طويلة الأجل، إلا أن الأسواق الأميركية شهدت خلال العامين الماضيين ظاهرة مختلفة؛ إذ بقيت عوائد سندات الخزانة مرتفعة رغم قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
وهذا التناقض دفع الاقتصاديين إلى إعادة دراسة العوامل المؤثرة في سوق السندات، بعيداً عن التفسير التقليدي الذي يربطها مباشرة بقرارات البنك المركزي.
وخلصت الدراسة التي أعدها كوفيتز وإنغستروم إلى أن المستثمرين لم يعودوا ينظرون فقط إلى السياسة النقدية، بل أصبحوا يركزون بصورة أكبر على أوضاع المالية العامة الأميركية، ومستويات الدين الحكومي، واحتمالات اتساع العجز في الموازنة خلال السنوات المقبلة.
وبمعنى آخر، فإن المستثمرين يطالبون بعائد أعلى مقابل الاحتفاظ بسندات حكومية طويلة الأجل بسبب تنامي المخاطر المالية، وليس بسبب فقدان الثقة بقدرة الاحتياطي الفيدرالي على السيطرة على التضخم.
عودة “المخاطر القديمة”
حملت الدراسة عنوان “عودة المخاطر القديمة في عصر مصداقية الاحتياطي الفيدرالي”، وهو عنوان يعكس فكرة محورية تتمثل في أن الأسواق لم تعد تشكك في التزام البنك المركزي بتحقيق هدف التضخم البالغ 2%، وإنما أصبحت أكثر قلقاً من عوامل أخرى كانت تُعد ثانوية خلال السنوات الماضية.
وتتمثل هذه العوامل في احتمال استمرار العجز المالي الأميركي عند مستويات مرتفعة، واتساع الدين العام، إضافة إلى إمكانية تكرار صدمات العرض العالمية، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد أو ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، وهي عوامل قد تدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى لتعويض المخاطر المستقبلية.
ومن أبرز نتائج الدراسة أن الباحثين لم يجدا أدلة على أن ارتفاع توقعات التضخم طويلة الأجل كان السبب الرئيسي وراء صعود عوائد السندات، وهو استنتاج يحمل أهمية كبيرة لأنه يفصل بين ثقة الأسواق في السياسة النقدية وبين مخاوفها من السياسة المالية.
مراجعة سياسة التواصل مع الأسواق
إحدى القضايا التي يتوقع أن تشهد مراجعة خلال قيادة وارش تتمثل في أسلوب تواصل الاحتياطي الفيدرالي مع المستثمرين.
فوارش يُعرف بانتقاداته لما يسمى “التوجيه المستقبلي”، ولا سيما “مخطط النقاط” الذي يعرض توقعات مسؤولي البنك لمسار أسعار الفائدة.
ويرى أن الأسواق تتعامل مع هذه التوقعات وكأنها التزام رسمي، في حين أنها يفترض أن تكون مجرد تقديرات قابلة للتغيير مع تطور البيانات الاقتصادية، وهو ما قد يقلل من مرونة صناع القرار عند مواجهة تطورات غير متوقعة.
كما تشير دراسة إنغستروم إلى أن “ملخص التوقعات الاقتصادية”، رغم نجاحه في تحسين فهم الأسواق عند صدوره، أصبح مع مرور الوقت يبطئ قدرة المحللين على تعديل توقعاتهم استناداً إلى البيانات الجديدة، بسبب اعتمادهم المفرط على تقديرات الاحتياطي الفيدرالي.
ماذا تعني هذه التغييرات؟
تعكس التعيينات الجديدة أن الاحتياطي الفيدرالي يدخل مرحلة مختلفة، لم تعد تقتصر على إدارة أسعار الفائدة، بل تمتد إلى إعادة تقييم أدوات التواصل مع الأسواق، ودراسة العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية، وفهم الأسباب التي تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر.
وفي حال تبنى وارش نتائج هذه الدراسات في رسم سياسات البنك، فقد يشهد الاحتياطي الفيدرالي تحولاً في طريقة إدارته للتوقعات الاقتصادية، مع تركيز أكبر على المرونة، وتقليل الاعتماد على الإشارات المسبقة، بما يمنح صناع القرار مساحة أوسع للاستجابة السريعة للتغيرات الاقتصادية.
وفي النهاية، تكشف هذه الخطوات أن التحدي الأكبر أمام الاحتياطي الفيدرالي لم يعد يتمثل فقط في خفض التضخم أو دعم النمو، بل في استعادة التوازن بين السياسة النقدية والمالية، والمحافظة على ثقة الأسواق في مرحلة تتزايد فيها المخاطر المرتبطة بالديون العامة والتقلبات العالمية.






