حرية
في خطوة تستهدف تعزيز الوقاية من الفساد داخل مؤسسات الدولة، عقدت الدائرة القانونية في وزارة التخطيط، اليوم الأحد، ورشة عمل متخصصة بالتعاون مع هيئة النزاهة الاتحادية، ركزت على الاتجاهات الحديثة في ترسيخ ثقافة النزاهة وتطوير مهارات الموظفين الحكوميين، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة والالتزام بالقانون.
وجاءت الورشة تحت عنوان «الاتجاهات الحديثة في تعزيز ثقافة النزاهة وتنمية مهارات الموظفين الحكوميين»، ضمن توجه لإعداد برامج تثقيفية وتدريبية تستهدف المؤسسات الحكومية، وتحويل مكافحة الفساد من إجراءات رقابية لاحقة إلى ثقافة مؤسسية قائمة على الوقاية واكتشاف المخاطر قبل تحولها إلى مخالفات أو حالات فساد.
وتناولت الورشة، التي حاضرت فيها الدكتورة مائدة حسين مجيد من هيئة النزاهة الاتحادية، مفهوم ثقافة النزاهة داخل المؤسسة الحكومية، والبيئة الإدارية القادرة على حماية المال العام، إلى جانب مسؤوليات الموظف وصلاحياته والمهارات التي يحتاجها لأداء واجباته، ولا سيما العاملين ضمن اللجان والمهام ذات الصلة بالقرارات الإدارية والمالية.
كما ناقشت الورشة ركائز النزاهة المؤسسية، وفي مقدمتها النزاهة والشفافية والمساءلة، مع التأكيد على أن مكافحة الفساد لا تعتمد على أجهزة الرقابة وحدها، وإنما تتطلب بيئة إدارية واضحة الصلاحيات والمسؤوليات، تمنع استغلال المنصب وتحد من فرص التجاوز على المال العام.
وشملت المحاور المطروحة كذلك إدارة مخاطر النزاهة، وتشخيص المخالفات المرتبطة بتجاوز الصلاحيات، فضلاً عن توعية الموظفين بالواجبات والمحظورات والعقوبات التي تنظمها لوائح السلوك الوظيفي، بما يساعد على رفع مستوى الوعي القانوني داخل مؤسسات الدولة.
وأبرزت الورشة أهمية الانتقال من الأسلوب التقليدي في مكافحة الفساد إلى منهج استباقي يعتمد على التنبؤ بالمخاطر الإدارية وتشخيصها وإدارتها، ومراجعة الإجراءات الحكومية بصورة مستمرة لاكتشاف الثغرات التي يمكن أن تستغل في ارتكاب المخالفات أو تضارب المصالح.
كما تناولت موضوع تضارب المصالح، باعتباره أحد الملفات التي تتطلب وعياً مؤسسياً أكبر، مع التشديد على ضرورة التزام الموظف بأخلاقيات الوظيفة العامة والابتعاد عن أي ممارسات أو علاقات قد تثير الشبهات أو تؤثر في حيادية القرار الإداري.
وفي جانب آخر، ناقشت الورشة دور الرقمنة في مؤسسات الدولة في الحد من الفساد، من خلال تقليل التعاملات المباشرة، وتوثيق الإجراءات، وتعزيز إمكانية تتبع القرارات والمعاملات، بما يرفع مستوى الشفافية ويقلل المساحات التي يمكن أن تستغل في التلاعب أو استغلال الصلاحيات.
تعكس الورشة توجهاً مهماً في مسار الإصلاح الإداري، يتمثل في التعامل مع مكافحة الفساد باعتبارها قضية تتجاوز ملاحقة المتورطين بعد وقوع المخالفة، إلى بناء منظومة تمنع حدوثها من الأساس.
فالفساد الإداري غالباً ما يجد طريقه من خلال ثغرات الإجراءات، وغموض الصلاحيات، وضعف الرقابة الداخلية، وتضارب المصالح، ولذلك فإن تدريب الموظفين على اكتشاف هذه المخاطر يمكن أن يشكل خط دفاع مبكر داخل المؤسسات الحكومية.
ويبدو أن التركيز على الرقمنة يمثل أحد أبرز المسارات القابلة للتطبيق، خصوصاً أن تقليل الاعتماد على المعاملات الورقية والتواصل المباشر، وربط الإجراءات بأنظمة إلكترونية قابلة للتدقيق والتتبع، يمكن أن يحد من فرص التلاعب ويجعل المسؤولية أكثر وضوحاً.
لكن نجاح هذه الإجراءات لا يرتبط بالتدريب وحده، بل يحتاج إلى ربط ثقافة النزاهة بالمحاسبة الفعلية، بحيث لا تبقى الورش والبرامج التثقيفية نشاطاً نظرياً، وإنما تتحول إلى قواعد عمل داخل الوزارات والدوائر الحكومية.
كما أن حماية المال العام تتطلب تفعيل الرقابة الداخلية، ومراجعة الصلاحيات، وتطبيق مبدأ تضارب المصالح، وتسريع التحول الرقمي، إلى جانب ضمان عدم الإفلات من العقاب عند ثبوت المخالفات.
وبذلك، فإن التعاون بين وزارة التخطيط وهيئة النزاهة الاتحادية يمكن أن يشكل خطوة باتجاه بناء إدارة حكومية أكثر كفاءة وانضباطاً، شرط أن تنتقل مخرجات التوعية والتدريب من قاعات الورش إلى آليات عمل يومية تقيس الأداء وتكشف المخاطر وتحاسب على التجاوزات.







