حرية
عادت الترسانة النووية الروسية إلى صدارة المشهد العسكري الدولي، بعد مناورات استراتيجية واسعة نفذتها موسكو بمشاركة عشرات الآلاف من الجنود، في استعراض حمل أبعاداً تتجاوز الطابع العسكري التقليدي، ليعكس تصعيداً محسوباً في رسائل الردع الروسية وسط احتدام المنافسة مع الغرب.
وشملت التدريبات الروسية اختبار منظومات تعد من أخطر الأسلحة الاستراتيجية في العالم، بدءاً من إطلاق صاروخ “يارس” العابر للقارات، مروراً بصاروخ “تسيركون” الفرط صوتي من بحر بارينتس، وصولاً إلى إطلاق صاروخ “سينيفا” الباليستي من غواصات نووية، في مشهد يكرّس ما يُعرف بـ”الثالوث النووي الروسي” القائم على التكامل بين القدرات البرية والبحرية والجوية.
ورغم الطابع الهجومي لهذه المناورات، حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تقديمها ضمن إطار “الردع الدفاعي”، مؤكداً أن تحديث القوات النووية الاستراتيجية يسير وفق الخطط الموضوعة لحماية السيادة الروسية والحفاظ على توازن القوى العالمي، مع التشديد على أن استخدام السلاح النووي يبقى “خياراً أخيراً” في الظروف القصوى.
ويعتمد مفهوم الردع الروسي على ضمان “القدرة على الضربة الثانية”، أي امتلاك القدرة على الرد النووي حتى بعد التعرض لهجوم واسع، وهو ما يجعل الثالوث النووي حجر الأساس في العقيدة العسكرية الروسية، خصوصاً مع استمرار التوتر مع حلف شمال الأطلسي وتوسع مشاريع الدفاع الصاروخي الغربية.
وفي قلب هذه المنظومة، يبرز صاروخ “سارمات” الاستراتيجي، الذي تصفه موسكو بأنه “أقوى صاروخ نووي في العالم”، بعد نجاح تجاربه الأخيرة. ويتميز الصاروخ بقدرته على حمل رؤوس نووية متعددة واستهداف عدة مواقع في وقت واحد، إلى جانب امتلاكه تقنيات مراوغة وتشويش تجعل اعتراضه بالغ الصعوبة حتى بالنسبة لأنظمة الدفاع المستقبلية.
كما تواصل روسيا تطوير منظومات أكثر تعقيداً، مثل الطائرة المسيّرة النووية “بوسيدون”، والصاروخ النووي المجنح “بوريفيستنيك”، في إطار سباق تسلح لم يعد قائماً فقط على عدد الرؤوس النووية، بل على القدرة على تجاوز أنظمة الاعتراض وضمان تنفيذ الضربة تحت أي ظرف.
ويرى مراقبون أن الرسائل الروسية تتجاوز مجرد استعراض القوة، إذ تسعى موسكو إلى تثبيت معادلة مفادها أن أي محاولة غربية لإضعاف الردع النووي الروسي أو تحييده عبر أنظمة الدفاع الصاروخي ستبقى غير قادرة على إنهاء مبدأ “الدمار المتبادل المؤكد”، الذي لا يزال يحكم التوازن النووي العالمي منذ الحرب الباردة.
ويؤكد خبراء أن تطوير موسكو للصواريخ الفرط صوتية مثل “تسيركون” و”أفانغارد” يعكس تحولاً في طبيعة سباق التسلح العالمي، حيث أصبحت السرعة العالية، والمناورة، والمسارات غير التقليدية، عناصر أساسية لتجاوز شبكات الدفاع الغربية.
وفي المقابل، يشير مختصون إلى أن بعض المنظومات الروسية ليست عصية بالكامل على الاعتراض، مستشهدين بحالات سابقة أعلنت فيها أوكرانيا اعتراض صواريخ روسية متطورة، بينها “كينجال” و”تسيركون”، ما يعكس استمرار التنافس التقني بين أنظمة الهجوم والدفاع.
ويأتي هذا التصعيد في ظل بيئة دولية شديدة التوتر، دفعت روسيا إلى تعزيز اعتمادها على الردع النووي بعد الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية والتوسع الأطلسي، وهو ما جعل موسكو أكثر تمسكاً بإظهار جاهزية ترسانتها الاستراتيجية باعتبارها الضمانة الأهم لمكانتها الدولية.
ومع تسارع برامج التحديث النووي لدى القوى الكبرى، تبدو المنافسة العسكرية العالمية متجهة نحو مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد امتلاك السلاح النووي وحده كافياً، بل أصبحت القدرة على اختراق الدفاعات وضمان الرد السريع والدقيق العامل الحاسم في رسم توازنات القوة الجديدة.







