حرية
بعد 81 عاماً على كارثتي هيروشيما وناغازاكي، تجد اليابان نفسها أمام مفارقة تاريخية وأمنية شديدة الحساسية: الدولة التي بنت جزءاً كبيراً من هويتها الحديثة على رفض السلاح النووي، بدأت تناقش علناً حدود هذا الرفض، في وقت تتغير فيه البيئة الأمنية في شرق آسيا بصورة متسارعة.
ولم يعد النقاش الياباني يدور فقط حول ما إذا كانت طوكيو ستصنع قنبلة نووية، بل أصبح السؤال الأهم: هل تستطيع اليابان الاستمرار في الاعتماد الكامل على الردع الأميركي في ظل تصاعد القوة النووية للصين وكوريا الشمالية، وتنامي التعاون العسكري بين بكين وموسكو، وتراجع اليقين بشأن التزام واشنطن بحلفائها؟
من «المبادئ الثلاثة» إلى نقاش بلا محرّمات
تمثل المبادئ النووية الثلاثة أحد أكثر الثوابت رسوخاً في السياسة اليابانية، وتقوم على عدم امتلاك الأسلحة النووية أو إنتاجها أو السماح بإدخالها إلى الأراضي اليابانية.
لكن مجرد فتح النقاش حول هذه المبادئ يحمل دلالة سياسية كبيرة، خصوصاً عندما يأتي من داخل الحكومة، وبالتزامن مع مراجعة استراتيجية الدفاع اليابانية.
وهنا تكمن أهمية موقف رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، التي تجنبت إعطاء التزام واضح بشأن استمرار المبادئ بصيغتها الحالية، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات حول إمكانية إدخال تعديلات عليها، ولو بصورة محدودة.
والسيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب لا يتمثل في أن تبدأ اليابان بتصنيع سلاح نووي خاص بها، وإنما في إعادة تعريف مفهوم الردع النووي، سواء عبر تعميق التنسيق مع الولايات المتحدة أو السماح، في ظروف معينة، بوجود أسلحة نووية أميركية على الأراضي اليابانية.
وهذا الخيار، رغم أنه أقل جذرية من امتلاك قنبلة يابانية، سيكون تحولاً بالغ الحساسية لأنه يمس أحد المبادئ التي التزمت بها طوكيو منذ عقود.
الصين وكوريا الشمالية.. مصدر القلق الأكبر
التحول في التفكير الياباني لا يمكن فصله عن التحولات العسكرية في المنطقة.
فالصين تعمل على توسيع ترسانتها النووية وتطوير قدراتها الصاروخية، بينما تواصل كوريا الشمالية تطوير برنامجها النووي والصاروخي. وفي الوقت ذاته، تعزز الصين وروسيا تعاونهما العسكري، بما يزيد المخاوف اليابانية من احتمال تشكل بيئة استراتيجية أكثر عدائية حولها.
وهكذا تجد طوكيو نفسها أمام معادلة صعبة: كلما توسعت القدرات النووية لدى خصومها، ازدادت حاجتها إلى ردع أقوى، لكن كلما اقتربت من الخيار النووي، ابتعدت عن الإرث السياسي والأخلاقي الذي قامت عليه هويتها بعد الحرب العالمية الثانية.
المشكلة الحقيقية: واشنطن
لكن العامل الأكثر حساسية ربما لا يتعلق بالصين أو كوريا الشمالية وحدهما، بل بدرجة الثقة اليابانية بالولايات المتحدة.
فطوكيو تعتمد منذ عقود على المظلة الأمنية الأميركية، بما فيها الردع النووي، مقابل عدم امتلاكها سلاحاً نووياً خاصاً بها.
غير أن التحولات في السياسة الأميركية، ولا سيما خلال إدارة الرئيس دونالد ترمب، دفعت بعض حلفاء واشنطن إلى إعادة التفكير في مدى استدامة الاعتماد الكامل على القوة الأميركية.
وبالتالي، فإن النقاش النووي الياباني يمكن قراءته أيضاً باعتباره رسالة ضغط على واشنطن: إذا أرادت الولايات المتحدة استمرار اليابان داخل منظومة عدم الانتشار، فعليها أن تجعل التزامها بالدفاع عن اليابان أكثر وضوحاً ومصداقية.
بمعنى آخر، قد لا يكون هدف طوكيو امتلاك السلاح النووي بقدر ما يكون هدفها امتلاك القدرة على الاستغناء عنه إذا اضطرت إلى ذلك.
«القدرة الكامنة».. الورقة التي تملكها اليابان
تمتلك اليابان قاعدة علمية وصناعية وتكنولوجية متقدمة في المجال النووي المدني، وهو ما يمنحها ما يعرف بـ«القدرة النووية الكامنة».
وهذه القدرة لا تعني امتلاك سلاح نووي، لكنها تعني أن اليابان تملك من المعرفة والبنية الصناعية والتكنولوجية ما يجعل الانتقال إلى برنامج عسكري، نظرياً، أقل صعوبة من دول أخرى.
وهنا تكمن قوة الورقة اليابانية.
فمجرد إدراك الخصوم أن اليابان تستطيع، إذا تغيرت الظروف، تطوير قدرة نووية عسكرية، قد يكون بحد ذاته جزءاً من الردع، من دون أن تضطر طوكيو فعلياً إلى إنتاج السلاح.
الغواصات النووية.. خطوة مختلفة
أما النقاش بشأن الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والمزودة بأسلحة تقليدية، فيمثل مساراً آخر لتوسيع القدرات العسكرية اليابانية من دون عبور الخط النووي مباشرة.
فالطاقة النووية في الغواصات لا تعني بالضرورة حمل أسلحة نووية، لكنها تمنح البحرية قدرة أكبر على البقاء لفترات طويلة في البحر، والتحرك لمسافات بعيدة، وتعزيز الردع البحري.
ومن هنا يمكن لليابان أن توسع قدراتها الاستراتيجية تدريجياً، مع إبقاء الباب النووي العسكري مغلقاً رسمياً.
هيروشيما وناغازاكي.. العامل الذي لا يمكن تجاهله
لكن أي تحول في السياسة النووية اليابانية سيصطدم بعامل داخلي شديد القوة.
فاليابان ليست دولة نووية عادية؛ إنها الدولة الوحيدة التي تعرض سكانها لهجمات نووية في التاريخ.
ولهذا فإن التخلي عن أحد المبادئ الثلاثة لن يكون مجرد تعديل في وثيقة دفاعية، بل سيعيد فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في الذاكرة الوطنية اليابانية.
وسيواجه أي توجه نحو السلاح النووي معارضة سياسية وشعبية، فضلاً عن موقف الناجين من القصف الذري، الذين يمثلون صوتاً تاريخياً ضد انتشار الأسلحة النووية.
هل تصبح اليابان دولة نووية؟
ليس في المدى القريب، على الأرجح.
فامتلاك سلاح نووي مستقل سيضع اليابان أمام كلفة سياسية ودبلوماسية هائلة، خصوصاً أنها دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما أن الخطوة ستدفع الصين وروسيا وكوريا الشمالية إلى استغلالها سياسياً وإعلامياً.
لكن ذلك لا يعني أن النقاش الحالي بلا نتائج.
الأرجح أن اليابان تتجه نحو ثلاثة مستويات من إعادة تعريف أمنها القومي:
- تعزيز قدراتها العسكرية التقليدية بصورة أكبر من السابق.
- توسيع التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن الردع النووي والتأكد من أن المظلة الأميركية لا تزال فعالة.
- الحفاظ على قدرة نووية كامنة تسمح لها، إذا تغيرت البيئة الأمنية جذرياً، بإعادة النظر في خياراتها.
وهنا تصبح عبارة «نقاش بلا محرّمات» أكثر أهمية من قرار امتلاك السلاح نفسه.
فطوكيو لا تقول إنها ستصنع القنبلة، لكنها تقول بصورة غير مباشرة إن الظروف التي جعلت اليابان ترفض التفكير فيها إلى الأبد لم تعد كما كانت.
المعادلة الجديدة
التحول الياباني المحتمل لا يعني أن طوكيو قررت الانضمام إلى النادي النووي، وإنما يعكس انتقالاً من سياسة تقوم على الثقة المطلقة بالمظلة الأميركية إلى سياسة تقوم على التحوط الاستراتيجي.
فاليابان تريد أن تبقى حليفة لواشنطن، لكنها في الوقت ذاته تريد امتلاك خيارات أكبر إذا تغيرت الحسابات الأميركية.
وبذلك يصبح «الثلاثي الشرقي» المتمثل في الصين وروسيا وكوريا الشمالية عاملاً ضاغطاً على العقيدة الأمنية اليابانية، بينما يمثل تراجع اليقين بشأن واشنطن العامل الذي يدفع طوكيو إلى فتح الأبواب التي ظلت مغلقة لعقود.
والسؤال الحقيقي لم يعد: هل ستصنع اليابان قنبلة نووية؟
بل أصبح: إلى أي مدى ستذهب طوكيو في بناء قدرة ردع تجعلها غير مضطرة إلى صنعها؟
وهذه المسافة بين «امتلاك السلاح» و«امتلاك القدرة على امتلاكه» قد تكون هي المساحة التي ستعيد اليابان من خلالها صياغة عقيدتها الأمنية في السنوات المقبلة.







