حرية | الثلاثاء 31 آذار 2026
بينما كانت عالمة الآثار الألمانية أيدلهايد أوتو تستعد لدراسة ألواح مسمارية اكتشفتها مع فريقها في جنوب العراق، اندلعت حرب إقليمية أجبرتها على مغادرة البلاد براً عبر تركيا، بعد رحلة استمرت مئات الكيلومترات، في مشهد يعكس كيف امتدت تداعيات الحرب إلى قطاع الآثار والتراث.
وكان العراق قد بدأ خلال السنوات الأخيرة يستعيد قدراً من الاستقرار، ما سمح بعودة بعثات أثرية أجنبية للتنقيب في مواقع حضارة بلاد ما بين النهرين، قبل أن تتوقف هذه الأعمال مجدداً مع اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط الماضي، وامتدادها إلى الأراضي العراقية.
وكان فريق أوتو يستعد لبدء أعمال التنقيب في موقع شوروباك السومري القديم في جنوب العراق، حيث عُثر على ألواح مسمارية، قبل أن تتدهور الأوضاع الأمنية مع تصاعد الصواريخ والطائرات المسيّرة في الأجواء.
وتقول أوتو، وهي أستاذة في علم الآثار في جامعة لودفيغ – ماكسيميليانز في ميونيخ، إن فريقها، المؤلف من 18 خبيراً ألمانياً وسبعة علماء آثار عراقيين، أمضى نحو أسبوعين في توثيق الألواح وتصويرها قبل المغادرة، مضيفة: “لا أحد يعلم ما إذا كنا سنتمكن من العودة يوماً ما إلى العراق”.
حماية المواقع الأثرية
ومع تصاعد الهجمات، رفعت السلطات العراقية على المواقع الأثرية علامة مبادرة الدرع الأزرق المرتبطة بمنظمة اليونسكو، والتي تُعرف باسم “الصليب الأحمر للتراث”، بهدف حماية المواقع الأثرية من الاستهداف أو الأضرار خلال النزاعات.
وفي الظروف الطبيعية، يعمل أكثر من 60 فريقاً أثرياً أجنبياً في مواقع مختلفة داخل العراق، بينها بعثات إيطالية وأمريكية وألمانية وبريطانية، لكن الحرب دفعت بعضها إلى إلغاء رحلات كانت مقررة، فيما غادرت أخرى على عجل.
خسارة علمية للعراق
من جهته، أكد رئيس الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية علي عبيد شلغم أن هناك تعاوناً مستمراً مع البعثات الأجنبية لتدريب الكوادر العراقية على أحدث تقنيات علم الآثار، مشيراً إلى أن هذه البعثات تسهم في تطوير العمل الأثري في العراق.
كما أعرب عالم الآثار العراقي عقيل المنصراوي عن أمله في انتهاء الحرب سريعاً، من أجل عودة الفرق الأجنبية التي تسهم أيضاً في حماية الآثار العراقية وصيانتها.
ومن أبرز هذه الفرق بعثة تابعة للمتحف البريطاني تعمل منذ سنوات على صيانة “أقدم جسر في العالم” في مدينة كرسو التاريخية، الذي يعود تاريخه لأكثر من 4 آلاف عام ويعاني من مشكلات وتآكل في بنيته.
حرب توقف العلم
وعند اندلاع الحرب، كانت أستاذة علم آثار بلاد ما بين النهرين في جامعة شيكاغو أوغوستا ماكماهون موجودة في موقع نيبور الأثري، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 6 آلاف عام، قبل أن تضطر إلى المغادرة تحت حماية القوات الأمنية العراقية حتى الحدود مع السعودية.
وكان من المقرر أن تشارك ماكماهون في مؤتمر الآشوريات الدولي الذي كانت جامعة بغداد تستعد لاستضافته، قبل أن يتم إلغاؤه بسبب الحرب، في تكرار لإلغائه عام 1990 مع اندلاع حرب الخليج.
وتقول ماكماهون: “اليوم بعد 36 عاماً، أُلغي المؤتمر من جديد، وكأن العراقيين لا يمكنهم أبداً أن يحظوا بأية راحة”، في إشارة إلى تأثير الحروب المتكررة على البحث العلمي والتراث في العراق.







