حرية
في خطوة تعكس توجه الحكومة العراقية نحو إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، كشف رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي عن حزمة من المبادرات الاقتصادية والاستثمارية، أبرزها زيارة رسمية مرتقبة إلى الولايات المتحدة برفقة وفد من رجال الأعمال، إلى جانب الإعلان عن تأسيس صندوق تنمية مدعوم بمساهمة أولية من البنك المركزي العراقي تبلغ 10 مليارات دولار.
وجاءت تصريحات الزيدي خلال اجتماع موسع ضم نخبة من رجال الأعمال ورؤساء المصارف الأهلية وأعضاء المجلس الاقتصادي العراقي، حيث أكد أن حكومته تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكاً أساسياً في عملية الإصلاح الاقتصادي والتنمية، وليس مجرد طرف مكمل للنشاط الحكومي.
وشدد رئيس الوزراء على أن المرحلة المقبلة ستشهد تعزيزاً لسياسة “الباب المفتوح” أمام المستثمرين وأصحاب الأعمال، مع تبني إجراءات تستهدف محاربة الفساد والابتزاز الإداري، داعياً الشركات ورجال الأعمال إلى عدم الرضوخ لأي ضغوط أو مطالبات مالية غير قانونية مقابل إنجاز معاملاتهم.
صندوق تنمية جديد وتحريك رأس المال المحلي
أبرز ما حملته تصريحات الزيدي كان الإعلان عن صندوق تنمية مخصص للقطاع الخاص، سيتلقى دعماً أولياً بقيمة 10 مليارات دولار من البنك المركزي العراقي، مع فتح باب الاكتتاب أمام المواطنين للمشاركة فيه وفق السعر الرسمي للدينار العراقي.
ووفق الرؤية الحكومية، فإن الصندوق سيتحول إلى أداة تمويلية لدعم المشاريع الصناعية والإنتاجية الجديدة، خصوصاً تلك التي تستهدف سد احتياجات السوق المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع منح إعفاءات ضريبية للأرباح المتحققة من استثماراته.
واشنطن.. بوابة لجذب الاستثمارات
إعلان الزيدي عن اصطحاب رجال أعمال عراقيين في زيارته المرتقبة إلى الولايات المتحدة يحمل دلالات اقتصادية تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارة، إذ يبدو أن الحكومة تسعى إلى تسويق العراق كوجهة استثمارية جديدة، وإقامة شراكات مباشرة بين القطاع الخاص العراقي ونظيره الأميركي.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه بغداد تحديات اقتصادية متزايدة نتيجة تقلبات أسواق الطاقة وتأثر الإيرادات النفطية، ما يدفع الحكومة إلى البحث عن مصادر تمويل واستثمار بديلة تدعم خطط التنويع الاقتصادي.
مشروع الإسكان.. فرصة للقطاع الخاص
كما كشف الزيدي عن مشروع طموح لتخصيص مليون قطعة أرض سكنية، داعياً القطاع الخاص إلى المشاركة في إنشاء البنى التحتية والخدمات المرتبطة بها وفق نماذج اقتصادية تضمن حقوق الدولة والمواطنين في آن واحد.
ويعكس هذا التوجه رغبة الحكومة في تحويل أزمة السكن إلى فرصة استثمارية وتنموية، من خلال إشراك الشركات المحلية في مشاريع الإسكان الكبرى بدلاً من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي.
تمثل تصريحات الزيدي مؤشراً على تحول تدريجي في السياسة الاقتصادية العراقية من نموذج الدولة المشغلة والممولة بشكل كامل إلى نموذج الشراكة مع القطاع الخاص.
لكن نجاح هذه الرؤية سيبقى مرتبطاً بعدة عوامل أساسية، أبرزها:
قدرة الحكومة على مكافحة الفساد الإداري والمالي بشكل فعلي.
توفير بيئة استثمارية مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال.
ضمان استقلالية صندوق التنمية وشفافية إدارته.
استمرار الإصلاحات الضريبية والمصرفية لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.
كما أن الزيارة المرتقبة إلى واشنطن ستكون اختباراً مهماً لقدرة العراق على جذب استثمارات نوعية، خصوصاً في القطاعات الصناعية والتكنولوجية والطاقة، بعيداً عن الاعتماد التقليدي على قطاع النفط.
وبينما تبدو الحكومة عازمة على منح القطاع الخاص دوراً أكبر في الاقتصاد، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة هذه الوعود إلى مشاريع ملموسة تخلق فرص عمل وتدعم النمو الاقتصادي المستدام في السنوات المقبلة.







