حرية
في الخامس عشر من حزيران من كل عام يحتفل العراقيون بعيد الصحافة العراقية، مستذكرين انطلاقة أول صحيفة عراقية وهي جريدة الزوراء التي صدرت في بغداد عام 1869، لتكون نقطة البداية لمسيرة إعلامية امتدت لأكثر من قرن ونصف، أسهمت خلالها الصحافة العراقية في توثيق تاريخ البلاد ومواكبة تحولات الدولة والمجتمع وصناعة الرأي العام.
لقد شكل صدور جريدة الزوراء حدثاً استثنائياً في تاريخ العراق الحديث، إذ جاءت في مرحلة كانت فيها وسائل الاتصال محدودة، لتصبح نافذة تنقل الأخبار والقرارات الرسمية والأحداث المحلية والإقليمية. وقد صدرت الجريدة باللغتين العربية والتركية في عهد الوالي العثماني مدحت باشا، وحملت اسم بغداد التاريخي “الزوراء”، لتؤسس أول تجربة صحفية عراقية منظمة.
ومع مرور السنوات تحولت الزوراء إلى سجل تاريخي مهم يوثق تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للعراق خلال القرن التاسع عشر، وأصبحت مرجعاً أساسياً للمؤرخين والباحثين في دراسة تاريخ العراق الحديث. كما أرست تقاليد العمل الصحفي وأسهمت في نشر ثقافة القراءة والاطلاع وتداول الأخبار بين المواطنين.
ومع بدايات القرن العشرين شهد العراق نهضة صحفية واسعة تمثلت بظهور عشرات الصحف والمجلات التي حملت أفكاراً سياسية وثقافية وأدبية متنوعة، وأسهمت في تعزيز الوعي الوطني والدفاع عن قضايا الاستقلال والهوية العراقية. وأصبحت الصحافة منبراً للنخب الفكرية والأدبية التي لعبت دوراً مهماً في تشكيل الرأي العام ومناقشة قضايا المجتمع.
وخلال مرحلة تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، برز دور الصحافة في نقل الأحداث السياسية ومتابعة أعمال الحكومات والبرلمان والحياة الحزبية، كما ساهمت في تعزيز التواصل بين الدولة والمجتمع وترسيخ مفاهيم المواطنة والانتماء الوطني.
وعلى مدى العقود اللاحقة، واجهت الصحافة العراقية تحديات كبيرة فرضتها التحولات السياسية والحروب والأزمات الأمنية والاقتصادية، إلا أنها ظلت حاضرة في المشهد الوطني، تؤدي رسالتها في نقل الحقيقة وتوثيق الأحداث. وقد قدم الصحفيون العراقيون تضحيات كبيرة أثناء أداء واجبهم المهني، وكان العديد منهم شهوداً على أهم المحطات التاريخية التي مر بها العراق.
وشكلت نقابة الصحفيين العراقيين إحدى الركائز الأساسية في حماية المهنة والدفاع عن العاملين فيها. وخلال السنوات الماضية برز دور نقيب الصحفيين العراقيين مؤيد اللامي في تعزيز الحضور المحلي والعربي والدولي للصحافة العراقية، والعمل على تطوير الأداء المهني للنقابة وتوسيع برامج الدعم والرعاية للصحفيين وتنظيم المؤتمرات والفعاليات الإعلامية التي أعادت للعراق مكانته الإعلامية في المحيطين العربي والدولي.
كما ساهمت النقابة في الدفاع عن الحريات الصحفية ومتابعة التشريعات الخاصة بالإعلام وتنظيم الدورات التدريبية والتأهيلية التي استهدفت تطوير قدرات الصحفيين ومواكبة التطورات المتسارعة في عالم الإعلام والاتصال.
ومع دخول العصر الرقمي شهدت الصحافة العراقية تحولاً كبيراً من الصحافة الورقية التقليدية إلى المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والبث الرقمي المباشر، ما أتاح وصولاً أسرع إلى الجمهور وفتح آفاقاً جديدة أمام العمل الإعلامي. وفي المقابل فرضت هذه المرحلة تحديات جديدة تتعلق بمصداقية المعلومات ومكافحة الأخبار المضللة والحفاظ على المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي.
واليوم، وبعد مرور 157 عاماً على صدور جريدة الزوراء، ما زالت الصحافة العراقية تؤدي دورها الوطني والمهني في نقل الحقيقة وتنوير الرأي العام والدفاع عن حق المواطن في الحصول على المعلومة. فمن صفحات الزوراء الأولى إلى المنصات الرقمية الحديثة، بقيت الصحافة العراقية شاهداً على تاريخ الوطن ومرآةً تعكس تطلعات شعبه وآماله.
وفي عيد الصحافة العراقية، تستحضر الأسرة الصحفية بكل فخر مسيرة الرواد الذين أسسوا لهذا الإرث المهني العريق، وتستذكر تضحيات الصحفيين الذين حملوا رسالة الكلمة الحرة في مختلف الظروف، مؤكدةً أن الصحافة ستبقى إحدى أهم ركائز بناء الدولة الديمقراطية وصون الوعي الوطني وترسيخ قيم الحرية والمسؤولية المهنية.
كل عام والصحافة العراقية أكثر حضوراً وتأثيراً، وكل عام وصحفيو العراق يواصلون أداء رسالتهم النبيلة في خدمة الوطن والحقيقة.







