حرية
أكد مسؤول بارز في الهيئة السياسية للتيار الوطني الشيعي أن زعيم التيار مقتدى الصدر يدعم خطوات رئيس الوزراء علي الزيدي الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، في موقف يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز حدود الدعم المعلن للحكومة، خصوصاً مع اقتراب الموعد الحكومي المحدد لحسم الملف في 30 أيلول/سبتمبر المقبل.
وقال المسؤول إن التواصل بين الصدر والحكومة يجري عبر قنوات متعددة، مباشرة وغير مباشرة، لمتابعة الإجراءات المتعلقة بملف حصر السلاح، مشيراً إلى أن موقف الصدر يستند إلى مبدأ احتكار الدولة للسلاح وإنهاء أي مظاهر للتسلح خارج المؤسسات الرسمية.
وبحسب المسؤول، فإن الصدر أبدى استعداده لتقديم الدعم السياسي والشعبي لحكومة الزيدي، بما يساعدها على تنفيذ هذه المهمة وتجاوز العقبات التي قد تواجهها، مؤكداً أن التيار ينظر إلى حصر السلاح بوصفه خطوة أساسية لترسيخ سلطة الدولة وتعزيز الاستقرار الداخلي.
ولا يقتصر هذا الموقف على تأييد مبدئي، إذ يشير المسؤول إلى استعداد التيار للمساهمة في توفير بيئة سياسية وشعبية تساعد الحكومة على تنفيذ إجراءاتها، شرط أن تتم العملية ضمن مسار قانوني ومؤسساتي يحفظ هيبة الدولة ويمنع انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية.
دعم للزيدي أم إعادة تموضع سياسي؟
يأتي موقف الصدر في توقيت بالغ الحساسية، فالحكومة تقترب من الموعد الذي حددته لإنهاء ملف السلاح خارج المؤسسات الرسمية، بينما لا تزال القضية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في المشهد العراقي، نظراً لارتباطها بالفصائل المسلحة وتوازنات القوى السياسية والعلاقات الإقليمية.
ومن هنا، فإن إعلان دعم الصدر للزيدي يمكن قراءته باعتباره أكثر من مجرد مساندة لقرار حكومي؛ فهو يمنح الحكومة غطاءً سياسياً وشعبياً مهماً من شخصية لا تزال تمتلك تأثيراً واسعاً، رغم ابتعادها عن المؤسسات الرسمية منذ عام 2022.
كما أن موقف الصدر ينسجم مع أحد أبرز الشروط التي سبق أن طرحها للعودة إلى العمل السياسي، والمتمثل بحصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب إصلاح النظام السياسي والحد من المحاصصة ومواجهة الفساد.
اجتماع النواب السابقين يفتح باب التساؤلات
وتزامن الحديث عن دعم الصدر للحكومة مع عقد نواب الكتلة الصدرية المستقيلة اجتماعاً تشاورياً في بغداد، بإشراف رئيس الكتلة السابقة حسن العذاري، حيث خُصص الاجتماع لإبلاغ النواب السابقين بتوجيهات الصدر.
ورغم أن ذلك لا يعني بالضرورة قراراً بالعودة إلى العمل السياسي، فإن تحرك النواب السابقين بالتزامن مع تصاعد الحديث عن التواصل بين الصدر والحكومة يطرح تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كان التيار يكتفي بدعم ملف حصر السلاح، أم أنه يعيد ترتيب أدواته السياسية تمهيداً لحضور أكبر في المشهد.
فالصدريون خرجوا من المؤسسات السياسية بعد أزمة 2021، لكنهم لم يخرجوا من التأثير السياسي. وقد أثبتت السنوات الماضية أن الصدر يستطيع البقاء لاعباً مؤثراً من خارج البرلمان والحكومة، خصوصاً في الملفات التي ترتبط بمفهوم الدولة والسيادة والسلاح.
من القطيعة إلى التواصل؟
وتكتسب هذه التطورات أهمية أكبر بالنظر إلى الخلفية السياسية للعلاقة بين الصدر وقوى الإطار التنسيقي.
فبعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021، حصلت الكتلة الصدرية على 73 مقعداً، وسعى الصدر إلى تشكيل حكومة أغلبية وطنية تستبعد عدداً من خصومه، قبل أن ينتهي الانسداد السياسي باستقالة نوابه في حزيران/يونيو 2022.
ثم شهدت بغداد في آب/أغسطس من العام نفسه مواجهات مسلحة بين أنصار الصدر ومجموعات منافسة، قبل أن يتدخل الصدر ويدعو أنصاره إلى الانسحاب، ويعلن لاحقاً اعتزاله العمل السياسي.
ومنذ ذلك الحين، حافظ الصدر على مسافة واضحة من العملية السياسية، وصولاً إلى مقاطعة انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لكنه ظل حاضراً في القضايا الكبرى، وفي مقدمتها الفساد والسيادة والسلاح.
وفي أيار/مايو 2026، اتخذ الصدر خطوة لافتة عندما أعلن فك ارتباط سرايا السلام عن تياره والتحاق عناصرها بالدولة، داعياً بقية الفصائل إلى الابتعاد عن الارتباطات الحزبية.
معركة السلاح تدخل مرحلة الاختبار
الموعد الأبرز الآن هو 30 أيلول/سبتمبر. فالحكومة لا تواجه فقط اختباراً في قدرتها على تنفيذ قرار حصر السلاح، وإنما تواجه اختباراً سياسياً يتعلق بقدرتها على إدارة الملف من دون تحويله إلى صراع بين مؤسسات الدولة والفصائل.
وفي هذا السياق، فإن دعم الصدر قد يمثل عاملاً مساعداً للزيدي، لأنه يطرح حصر السلاح باعتباره مشروع دولة وليس مشروع طرف سياسي ضد طرف آخر.
لكن نجاح المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على توفير ضمانات قانونية وسياسية وأمنية لجميع الأطراف، وتحديد آليات واضحة لانتقال السلاح والعناصر إلى المؤسسات الرسمية، ومنع استخدام الملف لتصفية الحسابات السياسية.
المشهد الحالي يكشف عن معادلة جديدة: الصدر لا يعود إلى الحكومة أو البرلمان، لكنه يقترب من أحد أهم ملفاتها، والحكومة لا تحتاج فقط إلى أصوات سياسية داخل المؤسسات، بل إلى دعم القوى المؤثرة خارجها.
ولهذا، فإن السؤال الأهم لم يعد ما إذا كان الصدر يؤيد حصر السلاح، وإنما هل يتحول هذا الدعم إلى تفاهم سياسي أوسع مع حكومة الزيدي، وهل يصبح ملف السلاح بوابة لإعادة رسم علاقة التيار الوطني الشيعي بالعملية السياسية؟
إذا نجحت الحكومة في الوصول إلى 30 أيلول من دون صدام أو تراجع، فقد يكون دعم الصدر أحد العوامل التي ساعدت على تثبيت مفهوم احتكار الدولة للسلاح. أما إذا تعثر المسار، فقد يتحول الملف مجدداً إلى نقطة صراع تعيد إنتاج الانقسامات التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية.







