رفيق خوري
من أكبر الأخطاء في السياسات الأميركية التصرف على أساس أن هزيمة أيديولوجية لأي طرف قوي يمكن أن تؤدي إلى تبدل كبير في الجيوبوليتيك. هذا الخطأ ارتكبه المحافظون الجدد أيام الرئيس جورج بوش الابن، فعادت “طالبان” إلى أفغانستان وسط خروج أميركي ذليل، ووقع العراق تحت النفوذ الإيراني مما فتح طريق طهران إلى سوريا ولبنان.
في كتاب “الحرب العربية الباردة” يسجل مالكولم كير أن العالم العربي شهد عام 1970 “نهاية الحروب الأيديولوجية العابرة للحدود، وانتقال الاهتمام من الأيديولوجيا إلى البقاء”. لكن المؤرخ الأميركي كان يسلط الكاميرا على صورة واحدة من مشهد أوسع، ويركز على صراعات مباشرة وغير مباشرة في الخمسينيات والستينات في مرحلة “جمال عبد الناصر والتنافس مع أنظمة محافظة يدعمها الغرب”.
أما في المشهد الأوسع، فإن الصراعات الأيديولوجية لم تتوقف، لا في العالم العربي ومحيطه الإقليمي، ولا على المسرح الكوني الذي يلعب فوقه الكبار. من المسار الأيديولوجي الطويل لحركة “الإخوان المسلمين” وتنظيمات الإسلام السياسي الأشد تطرفاً وفي طليعتها “القاعدة” و”داعش” إلى المحافظين الجدد في أميركا الذين استخدموا الغزو العسكري لأفغانستان والعراق لتغيير المنطقة. ومن الأیدیولوجيا الصهيونية التي قادت حروب إسرائيل على العرب إلى تشديد الرئيس شي جينبينغ على الالتزام الأيديولوجي في الحزب الشيوعي الصيني.
وقمة الصراعات الأيديولوجية بدأت في أواخر السبعينيات من القرن الماضي من خلال الثورة الإسلامية في إيران التي قادها الإمام الخميني وطلب “تصدير” الثورة إلى العالم العربي، لا فقط فكرياً بل أيضاً عسكرياً عبر فصائل أيديولوجية – مذهبية سلّحها الحرس الثوري الإيراني.
وإذا کانت تنظيمات الإسلام السياسي المتشددة أيديولوجياً اغتالت الرئيس أنور السادات والمفكر فرج فودة واعتدت على نجيب محفوظ، أهم روائي عربي حاز جائزة نوبل، فإن “داعش” مارس أفظع أنواع العنف في موجة “التكفير” لأصحاب “التفكير”. فضلاً عما يمكن أن يسمى “صدام الأساطير” بين “الوعد الإلهي” الذي يدعيه اليهود و”الحكم الإلهي” الذي يعمل بموجبه “الولي الفقيه” في الجمهورية الإسلامية في إيران حتى ظهور “المهدي المنتظر وتشكيل حكومته العالمية”.
ولم يكن المستشرق والمؤرخ برنارد لويس يبالغ حين قال “إن الصراع بين الليبرالية والثيوقراطية يحدد مستقبل العالم العربي في التاريخ”. ولا كانت موضة النهايات في أوائل القرن الـ21 سوى سباق خيارات ونظريات خاطئة. من “نهاية التاريخ” إلى “نهاية الجغرافيا” إلى “نهاية الثورات”. فكل ما قيل إنه انتهى، فاجأ المنظّرين بقفزة في بداية جديدة. وكل نظام أيديولوجي واجه انتفاضات وثورات مثل ثورة “امرأة، حرية، حياة” في إيران بعد موت مهسا أميني على أيدي “شرطة الأخلاق” بسبب ظهور خصلة من شعرها، أو مجرد دعوات إلى الانفتاح، اختار الذهاب إلى الحد الأقصى في نظام “الأخ الأكبر” الذي صوّره جورج أورویل. نظام حيث كل شيء ينظمه ويراقبه “الجهاز الأيديولوجي التعليمي الديني الأسري السياسي الإعلامي الثقافي والنقابي” حسب لوي التوسير.
ماكس بوت في كتاب جديد تحت عنوان “ريغان حياته وأسطورته” يؤكد أن “ريفان الحقيقي كان أقل إيديولوجية وأكثر براغماتية مما فهمه معظم الشعب”. وهو يروي أن وزير الخزانة ثم كبير الموظفين في البيت الأبيض جيمس بيكر طلب نصيحة من الرئيس السابق حول خلاف على موضوع نظامي فقال له ريغان:
“أفضل أن أحصل على 80 في المئة مما أريد على أن أرفض وأذهب إلى الهاوية وعلمي يرفرف”.
وما أكثر الذين يتصورون أن الهزيمة مع الرفض أفضل من التسوية، ويصورون الهزيمة بأنها انتصار للمبادئ والأيديولوجيا. وما أكثر الأخطاء في حسابات الذين يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء. فمن أكبر الأخطاء في السياسات الأميركية التصرف على أساس أن هزيمة أيديولوجية لأي طرف قوي يمكن أن تؤدي إلى تبدل كبير في الجيوبوليتيك. هذا الخطأ ارتكبه المحافظون الجدد أيام الرئيس جورج بوش الابن، فعادت “طالبان” إلى أفغانستان وسط خروج أميركي ذليل في عهد بايدن، ووقع العراق تحت النفوذ الإيراني بما فتح طريق طهران إلى سوريا ولبنان.
حتى سقوط الاتحاد السوفياتي ومعه نسخته الروسية من الماركسية، وسط نشوة الانتصار الكبير للنظام الديمقراطي الليبرالي بقيادة أميركا، فإنه قاد إلى ظهور فلاديمير بوتين وغزوه لأوكرانيا وصراعه مع الغرب من أجل الجيوبوليتيك الروسي وإسقاط مفاعیل ما انتهت إليه الحرب الباردة.
وها هو الرئيس دونالد ترمب يعود إلى البيت الأبيض مع فريق أيديولوجي يميل إلى تبسيط الحلول في عالم بالغ التعقيد يختلف حتى عن العالم الذي تركه ترمب قبل أربعة أعوام، والعالم الذي خاض أعنف الحروب السياسية ضده على ساعة الرئيسين باراك أوباما وجو بایدن. والبداية من ترمب حرب تجارية على العالم كله وضعت حداً للنظام العالمي والعولمة ثم جاءت حرب إيران.
أوليفييه روا يحدد في كتاب “تسطيح العالم” أربعة عوامل للتسطيح، ويركز على واحد منها هو “أزمة الأيديولوجيا الكبرى التي فشلت في البناء وسعادة الإنسان”. والكل يعرف بالتجربة أنه لا فرق بين أيديولوجيا علمانية وأخرى دينية في تسطيح البلدان والحقيقة والناس.







