حرية
تتجه الحكومة العراقية إلى تشديد تنظيم التوسع العمراني عبر إعداد ضوابط جديدة للإسكان الحضري، في محاولة لاحتواء أزمة العشوائيات التي اتسعت خلال السنوات الأخيرة بفعل ارتفاع أسعار العقارات وضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وهو ما أدى إلى تفاقم الضغوط على البنى التحتية والخدمات الأساسية في المدن.
وقال المتحدث باسم وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة، نبيل الصفار، إن ارتفاع أسعار الوحدات السكنية دفع آلاف المواطنين إلى شراء أراضٍ متجاوز عليها أو البناء في مناطق غير مخططة، الأمر الذي أسهم في توسع التجمعات العشوائية، سواء على الأراضي الزراعية أو أملاك الدولة.
وأضاف أن نتائج مسح تثبيت العشوائيات الذي أعدته وزارة التخطيط لعام 2023 أظهرت وجود أكثر من ثلاثة ملايين عراقي يعيشون في نحو أربعة آلاف تجمع عشوائي في مختلف المحافظات، بينها أكثر من ألف تجمع في بغداد وحدها، وهي مناطق تعاني من نقص الخدمات والاكتظاظ وضعف البنية التحتية.
وأوضح الصفار أن الحكومة بدأت بمعالجة الملف تدريجياً عبر سلسلة قرارات، أبرزها القرار رقم (320) لسنة 2022 الخاص بمعالجة التجاوزات على الأراضي الزراعية، والقرار رقم (20) لسنة 2025 المتعلق بالتجاوزات على الأملاك البلدية، بالتوازي مع تدخل الجهد الخدمي والهندسي لإيصال الخدمات الأساسية إلى عدد من المناطق التي أصبحت واقعاً سكنياً قائماً.
وأشار إلى أن الوزارة تعمل حالياً، من خلال مديرية التخطيط العمراني ودائرة الإسكان وبقية تشكيلاتها، على إعداد ضوابط تنظيمية جديدة للإسكان الحضري تستند إلى القوانين والمعايير التخطيطية الحديثة، بهدف تحقيق التنمية المستدامة، وضمان الاستخدام الأمثل للأراضي، وتوفير بيئة سكنية ملائمة للمواطنين.
تعكس الأرقام الحكومية حجم التحدي الذي تواجهه الدولة في ملف الإسكان، إذ لم تعد العشوائيات مجرد تجاوزات عمرانية، بل تحولت إلى أزمة اجتماعية واقتصادية يعيشها أكثر من ثلاثة ملايين مواطن، ما يجعل معالجتها تتطلب حلولاً تتجاوز الإجراءات القانونية التقليدية.
ويرى مراقبون أن نجاح الضوابط الجديدة سيظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على زيادة المعروض من الوحدات السكنية بأسعار مناسبة، وتوفير بدائل حقيقية لذوي الدخل المحدود، لأن استمرار الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل سيؤدي إلى ظهور تجمعات عشوائية جديدة مهما تشددت القوانين.
كما يشير التوجه الحكومي إلى محاولة تحقيق توازن بين فرض النظام العمراني وعدم تجاهل الواقع القائم، عبر الاستمرار بإيصال الخدمات إلى المناطق المأهولة، بالتزامن مع وضع إطار تخطيطي يمنع تكرار المشكلة مستقبلاً، وهو ما قد يشكل بداية لسياسة إسكانية أكثر شمولاً إذا اقترنت ببرامج استثمارية وتمويلية واسعة لمعالجة أزمة السكن في العراق.







