حرية
في ظل التوسع المتسارع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، حذرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية من تنامي ظاهرة العنف الرقمي ضد النساء والفتيات، داعية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي محتوى يتضمن إساءة أو انتهاكاً لحقوق المرأة، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من تحول الفضاء الإلكتروني إلى بيئة خصبة للابتزاز والتشهير وانتهاك الخصوصية.
وجاءت الدعوة خلال ورشة توعوية نظمتها الهيئة بالتعاون مع المفوضية العليا لحقوق الإنسان، خُصصت لمناقشة مخاطر العنف الرقمي، وسبل تعزيز الأمن الإلكتروني وحماية النساء من جرائم الابتزاز وانتهاك الخصوصية.
وأكد مسؤول ملف التنسيق الدولي في هيئة الإعلام والاتصالات، أسعد نبيل، أن الهيئة تعتمد آليات متعددة لرصد المحتوى المسيء عبر قسم الرصد الإعلامي، إلى جانب إشراك المواطنين في عملية الإبلاغ عن أي محتوى يسيء للنساء والفتيات، بما يسمح للجهات المختصة باتخاذ الإجراءات المناسبة.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تأتي ضمن برامج توعوية تُنفذ بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، بهدف الحد من العنف الرقمي وتعزيز بيئة إلكترونية أكثر أماناً.
من جانبها، أوضحت المستشارة القانونية في مكتب بغداد التابع للمفوضية العليا لحقوق الإنسان، أيام شريف جواد، أن الابتزاز الإلكتروني بات يأخذ أشكالاً أكثر خطورة مع استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع فيديو مفبركة تُنسب زوراً إلى النساء والفتيات، بهدف ابتزازهن أو تشويه سمعتهن.
ودعت الضحايا إلى عدم الخضوع للمبتزين والإسراع بالإبلاغ عبر الرقم (911) أو الشرطة المجتمعية والجهات الأمنية المختصة، مؤكدة أن سرعة الإبلاغ تمثل عاملاً أساسياً في ملاحقة الجناة ومنع توسع آثار الجريمة.
بدورها، شددت المشاركة في الورشة سعاد الراوي على أهمية نشر ثقافة الأمن الرقمي، خاصة مع تردد العديد من الضحايا في الإبلاغ بسبب الضغوط الاجتماعية والخوف من الوصمة، مؤكدة ضرورة تكثيف البرامج التوعوية وتعزيز التعاون بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.
تأتي هذه التحركات الرسمية في وقت يشهد فيه العراق تصاعداً ملحوظاً في جرائم الابتزاز الإلكتروني، التي أصبحت تستهدف النساء بشكل متزايد، مستفيدة من الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وسهولة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مزيف يصعب أحياناً تمييزه عن الحقيقي.
وتعكس الورشة تحولاً في مقاربة المؤسسات العراقية، إذ لم تعد المواجهة تقتصر على الجانب الأمني، بل اتجهت أيضاً نحو التوعية والوقاية وإشراك المجتمع في رصد المحتوى المخالف، وهو ما يشير إلى إدراك رسمي بأن مكافحة العنف الرقمي تتطلب شراكة بين الدولة والمواطنين.
كما تكشف الدعوات المتكررة للإبلاغ عن استمرار وجود فجوة بين حجم الجرائم المرتكبة وعدد البلاغات المقدمة، نتيجة الخوف من الفضيحة أو ضعف الوعي بالحقوق القانونية، وهو ما يجعل كثيراً من الضحايا يفضلن الصمت، الأمر الذي يمنح المبتزين مساحة أوسع للاستمرار في جرائمهم.
وتزداد خطورة الظاهرة مع تطور تقنيات التزييف العميق (Deepfake)، التي تتيح تصنيع صور ومقاطع فيديو مفبركة يصعب كشفها، الأمر الذي يفرض تحديات قانونية وتقنية جديدة أمام الجهات المختصة، ويستلزم تطوير التشريعات وآليات التحقيق الرقمي بما يتلاءم مع طبيعة الجرائم الإلكترونية الحديثة.
ويرى مختصون أن نجاح الجهود الحكومية لن يتحقق عبر حملات التوعية وحدها، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل تحديث القوانين، وتسريع إجراءات التقاضي، وتعزيز قدرات وحدات مكافحة الجرائم الإلكترونية، إلى جانب نشر الثقافة الرقمية داخل المدارس والجامعات، بما يرفع مستوى الوعي المجتمعي ويحد من استغلال الفضاء الإلكتروني في ارتكاب الجرائم ضد النساء والفتيات.







