أحمد الحمداني
في الأنظمة الديمقراطية لا تقاس قوة الدولة بلحظة تشكيل الحكومة بل بلحظة تسليم السلطة تلك اللحظة الصامتة التي يغادر فيها رئيس وزراء القصر الحكومي ليدخله رئيس جديد، هي في حقيقتها الامتحان الأكثر حساسية لنضج النظام السياسي ومدى إيمان الفاعلين فيه بقواعد التداول السلمي للسلطة.
في العراق تكتسب هذه اللحظة خصوصية مضاعفة، فالقصر الحكومي ليس مجرد مبنى إداري بل رمز للسلطة التنفيذية ومركز القرار ومنه تدار توازنات معقدة تمتد بين السياسة والأمن والاقتصاد وعليه فإن سؤال “من سيستلم القصر؟” لا يرتبط باسم بقدر ما يرتبط بآلية الانتقال ذاتها، وهل ستجري ضمن سياق دستوري مستقر أم ضمن ضغوط وتسويات اللحظة الأخيرة.
التجربة العراقية منذ 2003 أظهرت أن انتقال السلطة غالباً ما يكون محاطاً بالتوتر والشكوك، ليس فقط على مستوى القوى السياسية بل داخل المؤسسات نفسها، ففريق رئيس الوزراء المغادر يعيش لحظات مركبة بين شعور طبيعي بخسارة الموقع وبين مخاوف تتعلق بما بعد السلطة سواء على مستوى النفوذ أو على مستوى المساءلة.
وهنا تبرز الإشكالية الأعمق هل تؤمن جميع الأطراف فعلاً بالديمقراطية كالية تداول أم تتعامل معها كوسيلة مؤقتة للوصول إلى السلطة؟ الفارق بين الحالتين ينعكس مباشرة في سلوك الفرق المحيطة بالمسؤولين، خصوصاً في اللحظات الانتقالية.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن ظاهرة باتت تتكرر قبيل كل استحقاق سياسي وهي نشاط “الجيوش الإلكترونية” وصفحات مواقع التواصل التي تسبق القرار السياسي، فتبدأ بطرح أسماء على أنها محسومة لرئاسة الوزراء، مقابل حملات منظمة لتسقيط أسماء أخرى وتشويهها هذه الصفحات لا تعكس بالضرورة الرأي العام، بل غالباً ما تُدار ضمن أجندات محددة وتعمل على خلق واقع افتراضي يضغط على صانع القرار ويوجه المزاج السياسي.
المشكلة هنا لا تتوقف عند حدود الإعلام أو حرية التعبير بل تتجاوزها إلى مستوى التأثير المباشر في مسار الدولة حين تتحول هذه الصفحات إلى أدوات ضغط أو “طابور خامس” يربك المشهد، فان السؤال المشروع يصبح من يدعمها؟ ومن يمولها؟ وكيف تدار بهذه القدرة على التأثير؟ والأخطر، من يستفيد من تضخيمها وتبني رواياتها داخل الفضاء السياسي؟
ولا يمكن إنكار أن بعض دوائر الحكم في العراق ما زالت تنظر إلى مغادرة السلطة كخسارة مطلقة لا كجزء طبيعي من دورة سياسية، وهذا ما يفسر القلق الذي يرافق هذه المرحلة، خاصة مع تصاعد الحديث عن ملفات النزاهة وتخوف بعض الموظفين والمسؤولين من فتح ملفات قد ترتبط بصفقات أو قرارات مثيرة للجدل ومن هنا فإن لحظة انتقال السلطة يجب أن تتحول إلى لحظة كشف حساب حقيقي لا مجاملة سياسية ولا تسوية صامتة الحديث عن الديمقراطية يصبح فارغاً إذا لم يقرن بفتح ملفات الفساد المالي والإداري ومحاسبة المقصرين والمتورطين في هدر المال العام ووضع حد لاستغلال السلطة وتسخيرها لأغراض انتخابية عبر النفوذ المالي أو الإداري.
وفي هذا السياق يبرز مقترح أكثر جرأة يتمثل بضرورة وضع المسؤولين والموظفين الذين شغلوا مواقع حساسة ضمن قيود قانونية مؤقتة من بينها منع السفر، إلى حين استكمال إجراءات براءة الذمة من الجهات الرقابية المختصة وعلى رأسها هيئات النزاهة هذه الخطوة لا تُفهم بوصفها إجراءً عقابياً بل كالية احترازية لحماية المال العام وضمان عدم إفلات أي طرف من المساءلة.
كما يمكن فتح نافذة زمنية محددة لتلقي الشكاوى من المواطنين أو الجهات المتضررة ممن كانوا يتخوفون سابقاً من التقدم بها بسبب نفوذ بعض المسؤولين على أن تُدرس هذه الشكاوى ضمن أطر قانونية واضحة، تضمن العدالة وتمنع الكيدية.
وفي الوقت ذاته فإن هذا المسار لا يستهدف الإدانة المسبقة بل يشكل أيضاً فرصة قانونية لتبرئة من لم يثبت بحقه أي تجاوز عبر تطبيق مبدأ “من أين لك هذا”، بما يعزز الثقة بالمؤسسات ويضع حداً لحالة الشك العام.
المؤشرات توحي بأن المرحلة المقبلة قد تشهد فتح ملفات حساسة وربما تطال أشخاصاً دخلوا المجال العام دون امتلاك أدواته أو فهم مسؤولياته، فأساؤوا إليه بممارسات قائمة على الفساد أو توظيف السلطة لأهداف ضيقة تحت عناوين متعددة.
لكن في المقابل، فإن ترسيخ مبدأ التسليم والاستلام السلس يبقى شرطاً أساسياً لبناء دولة مستقرة فالديمقراطية لا تبنى عبر الانتخابات فقط بل عبر احترام نتائجها وربط السلطة بالمساءلة لا بالحماية.
إن اللحظة التي يسلَّم فيها القصر الحكومي يجب أن تتحول من “لحظة قلق” إلى “لحظة دولة” ومن انتقال شكلي للسلطة إلى انتقال حقيقي في مفهوم الحكم حيث لا أحد فوق القانون ولا موقع يحمي من المساءلة.
وفي المحصلة من سيستلم القصر ليس هو السؤال الأهم… بل ماذا سيفتح بعد التسليم هنا تقاس هيبة الدولة وهنا تبدأ الديمقراطية الحقيقية.







