حرية – تقرير- خاص
لا تُقاس أهمية الأجواء العراقية بعدد الطائرات التي تعبرها يومياً فحسب بل بما تمثله من مورد اقتصادي واستراتيجي يمكن أن يتحول إلى أحد أهم مصادر الإيرادات غير النفطية في البلاد. فالعراق يقع في قلب منطقة تربط بين آسيا وأوروبا والخليج وشرق المتوسط ما يمنحه ميزة جغرافية نادرة تجعل أجواءه ممراً طبيعياً لعشرات شركات الطيران العالمية.
ومع كل أزمة أمنية أو توتر إقليمي يؤدي إلى إغلاق الأجواء أو تقييد حركة الملاحة لا يخسر العراق رسوم عبور الطائرات فقط بل يفقد جزءاً من مكانته التنافسية في سوق النقل الجوي العالمي.
مورد اقتصادي صامت
على عكس النفط الذي يتطلب حقولاً ومنشآت إنتاج وتصديراً معقداً تعتمد إيرادات عبور الطائرات على استثمار الموقع الجغرافي وإدارة المجال الجوي. وتشير البيانات إلى أن مئات الطائرات تعبر الأجواء العراقية يومياً ما يدر على الدولة مئات آلاف الدولارات من الرسوم بشكل مباشر.
ورغم أن هذه الإيرادات تبدو متواضعة مقارنة بالعائدات النفطية الضخمة إلا أنها تمثل نموذجاً مختلفاً للاقتصاد؛ إذ تُصنف ضمن الإيرادات السيادية غير النفطية التي لا تتأثر بأسعار الخام العالمية وتوفر مورداً مالياً مستقراً نسبياً في أوقات الاستقرار.
المنافسة الإقليمية على السماء
اقتصاد الممرات الجوية لا يختلف كثيراً عن اقتصاد الموانئ البحرية. فالدول تتنافس على جذب خطوط الطيران العالمية كما تتنافس على جذب السفن التجارية.
في المنطقة تمتلك دول الخليج وتركيا والأردن ومصر ممرات جوية متطورة ومراكز مراقبة حديثة وتسعى جميعها إلى استقطاب أكبر عدد من الرحلات العابرة. وعندما تُغلق الأجواء العراقية أو تصبح غير آمنة تتحول هذه الحركة تلقائياً إلى مسارات بديلة ما يمنح الدول المنافسة فرصة لتعزيز حصتها من عوائد الملاحة الجوية.
وتكمن المشكلة في أن شركات الطيران عندما تعتاد على مسارات بديلة لفترات طويلة قد لا تعود فوراً إلى المسار العراقي حتى بعد استقرار الأوضاع وهو ما يعني خسائر طويلة الأمد تتجاوز فترة الإغلاق نفسها.
الجغرافيا العراقية.. فرصة اقتصادية غير مستغلة
يمتلك العراق واحدة من أهم الميزات الجغرافية في المنطقة إذ يقع في نقطة وسط بين الأسواق الأوروبية والآسيوية. وهذا الموقع يمنحه القدرة على أن يكون ممراً جوياً رئيسياً للرحلات العابرة بين الشرق والغرب.
لكن الاستفادة من هذه الميزة لا تعتمد على الموقع وحده بل على:
- استقرار البيئة الأمنية.
- تطوير أنظمة إدارة الحركة الجوية.
- تحديث الرادارات والبنية التحتية للمراقبة الجوية.
- تعزيز الثقة الدولية بسلامة الأجواء العراقية.
ففي عالم الطيران تعد الثقة عاملاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الموقع الجغرافي.
ما وراء رسوم العبور
الفائدة الاقتصادية من حركة الطيران لا تقتصر على رسوم العبور المباشرة بل تمتد إلى قطاعات أخرى مرتبطة بالنقل الجوي منها:
- خدمات المطارات.
- التموين والصيانة.
- الشحن الجوي.
- الاستثمار اللوجستي.
- المناطق الحرة المرتبطة بالمطارات.
بمعنى آخر فإن تحويل العراق إلى مركز جوي إقليمي يمكن أن يخلق سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية وفرص العمل بدلاً من الاكتفاء بتحصيل رسوم مرور الطائرات.
التوترات الإقليمية.. التهديد الأكبر
تكشف الأزمات الأخيرة في المنطقة أن الاقتصاد العراقي ما زال شديد التأثر بالتطورات الأمنية والسياسية المحيطة. فكل تصعيد عسكري أو تهديد للملاحة الجوية يدفع شركات الطيران العالمية إلى البحث عن بدائل أكثر أمناً ما يضع العراق أمام تحدٍ مستمر للحفاظ على موقعه كممر استراتيجي.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية الحالية أصبحت السماء العراقية جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على الإيرادات والاستثمارات والثقة الدولية.
يمثل اقتصاد الممرات الجوية نموذجاً لثروة عراقية لا تستخرج من باطن الأرض بل من موقع البلاد على خريطة العالم. ومع أن رسوم عبور الطائرات توفر مئات آلاف الدولارات يومياً فإن القيمة الحقيقية تكمن في تحويل العراق إلى عقدة لوجستية وجوية تربط القارات والأسواق.
وإذا كان النفط هو الثروة التقليدية للعراق فإن موقعه الجغرافي قد يكون الثروة الاستراتيجية المقبلة شريطة توفير الاستقرار الأمني وتطوير البنية التحتية الجوية بما يسمح بتحويل السماء العراقية من ممر عابر إلى مورد اقتصادي دائم.







