حرية
دخلت المشاورات المتعلقة بتشكيل قوة دولية بديلة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» مرحلة معقدة في وقت مبكر، بعدما أبدت دول مرشحة للمشاركة، في مقدمتها إيطاليا، تحفظات تتعلق بالضمانات الأمنية والسياسية المطلوبة قبل إرسال قواتها أو تحويل وحداتها الموجودة حالياً في لبنان إلى جزء من الترتيبات الجديدة.
وبحسب مصادر سياسية لبنانية مطلعة على المشاورات، فإن الاتصالات لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أن مواقف الدول التي جرى التواصل معها، وبينها إيطاليا وألمانيا وسويسرا، تبدو متقاربة في نقطة أساسية: لا رغبة في الانتشار ضمن بيئة مفتوحة على العمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتزامن مع غياب ضمانات واضحة بشأن موقف حزب الله من القوة الجديدة وطبيعة صلاحياتها.
وتزداد حساسية الملف إذا أُسند إلى القوة الدولية الجديدة دور في التحقق من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، إذ إن هذه المهمة ستكون مختلفة جذرياً عن الدور التقليدي لقوات اليونيفيل، وستضع القوات الدولية أمام احتكاك مباشر مع ملف عسكري وأمني شديد الحساسية داخل جنوب لبنان.
القوة التي تبحث عمن يحميها
تطالب الدول المعنية، وفق المصادر، بفترة من الهدوء ووقف العمليات الإسرائيلية تتيح للقوة الجديدة بدء مهمتها بالتنسيق مع الجيش اللبناني، إلا أن إسرائيل لا تبدو مستعدة حتى الآن لتقديم مثل هذه الضمانات أو وقف عملياتها لفترة تمهيدية، كما ترفض الانسحاب من إحدى المناطق التي يمكن اعتمادها كنقطة اختبار للترتيبات الجديدة.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر في المشروع: القوة التي يفترض أن تصل إلى جنوب لبنان لضمان الاستقرار تجد نفسها مطالبة أولاً بالحصول على ضمانات تضمن أمنها هي.
فأي قوة دولية ستحتاج إلى معرفة قواعد الاشتباك، وحدود صلاحياتها، والجهة التي ستتحمل مسؤولية حمايتها في حال تعرضها لهجوم أو اصطدامها بأحد أطراف النزاع.
روما تتقدم.. لكن المهمة أكبر من الجنود
وتبدو إيطاليا حتى الآن الخيار الأكثر واقعية بالنسبة إلى بيروت، ليس فقط بسبب علاقاتها السياسية والعسكرية مع لبنان، وإنما أيضاً بسبب الدور الذي لعبته روما خلال الفترة الماضية في إدارة جوانب من الملف اللبناني.
فإيطاليا تمتلك وجوداً عسكرياً قائماً في لبنان عبر أكثر من قناة، تشمل وحدتها العاملة ضمن اليونيفيل، والبعثة العسكرية الثنائية الإيطالية التي تتولى تدريب الجيش اللبناني، فضلاً عن اللجنة التقنية العسكرية من أجل لبنان التي تقودها روما وتركز على التدريب والتجهيز وتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية.
وتمنح هذه البنية إيطاليا أفضلية عملية، إذ لا تحتاج إلى البدء من الصفر في حال التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن طبيعة القوة الجديدة، كما أن وجودها المستمر يوفر لها شبكة علاقات عسكرية ولوجستية وميدانية يمكن البناء عليها.
وكانت إمكانية مشاركة إيطاليا في آلية للتحقق من نزع سلاح حزب الله من الملفات التي نوقشت خلال زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى روما، في ظل طرح أسماء دول عدة للمشاركة في الترتيبات المقبلة.
لكن المشكلة لا تكمن في عدد الجنود الإيطاليين أو جنسيات الدول المشاركة، بل في طبيعة المهمة نفسها.
من مراقبة الهدوء إلى تفتيش البنية العسكرية
إذا كانت القوة الجديدة ستتولى فقط مراقبة انتشار الجيش اللبناني، فإن مهمتها ستكون محدودة نسبياً ويمكن إدارتها ضمن ترتيبات أمنية واضحة.
أما إذا تحولت إلى قوة مكلفة بالتحقق من خلو مناطق محددة من أسلحة حزب الله ومخازنه وأنفاقه، فإنها ستدخل منطقة شديدة التعقيد، خصوصاً إذا تطلبت مهمتها الوصول إلى قرى وممتلكات خاصة.
وهنا تتباعد الرؤى بين الأطراف.
فإسرائيل تريد آلية قادرة على تقديم دليل واضح على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، ولا تكتفي بتقارير تصدر عن الجانب اللبناني، بينما قد يمثل منح قوات أجنبية صلاحيات واسعة داخل المناطق التي يتمتع فيها الحزب بنفوذ اجتماعي وسياسي وصفة جاهزة للاحتكاك.
وفي المقابل، لا تزال طبيعة موقف حزب الله من القوة التي ستخلف اليونيفيل ومن صلاحياتها في عمليات التحقق غير محسومة، ما يزيد مساحة الغموض أمام الدول التي تفكر في إرسال جنودها.
«فيتو» إسرائيلي وتحفظ من حزب الله
المعادلة الحالية تبدو أقرب إلى مواجهة غير معلنة بين شرطين متناقضين.
إسرائيل تريد قوة قادرة على التحقق من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، ولا تريد في الوقت نفسه قوة تمنحها حصانة سياسية أو ميدانية تمنعها من تنفيذ عملياتها عندما ترى أنها ضرورية.
أما حزب الله، فمن الصعب تصور قبوله بسهولة بقوة أجنبية تمتلك صلاحيات واسعة تتجاوز ما كان متاحاً لليونيفيل، خصوصاً إذا شملت عمليات تفتيش أو تحقق داخل المناطق السكنية.
وبين الموقفين، تجد الدول المرشحة نفسها أمام السؤال الأكثر حساسية: هل ستتحول القوة الدولية إلى طرف ثالث في مواجهة غير مباشرة بين إسرائيل وحزب الله؟
وهذا تحديداً ما تريد العواصم الأوروبية تجنبه.
لماذا إيطاليا تحديداً؟
ترى بيروت أن روما تمتلك مجموعة من المزايا تجعلها المرشح الأبرز، أبرزها حضورها العسكري القائم وعلاقاتها الجيدة مع الجيش اللبناني، فضلاً عن عدم ظهور اعتراض سياسي كبير على دورها حتى الآن.
كما أن انتقال قوة إيطالية موجودة أصلاً على الأرض إلى ترتيبات جديدة سيكون أكثر سهولة من استقدام قوة من دولة تحتاج إلى بناء وجود عسكري ولوجستي واتصالات ميدانية من الصفر.
لكن هذه الأفضلية لا تعني أن روما مستعدة تلقائياً لقبول المهمة.
فالقوات الإيطالية الموجودة حالياً تعمل ضمن أطر وقواعد محددة، بينما الانتقال إلى مهمة تتضمن التحقق من بنية عسكرية لحزب الله، في وقت تستمر فيه العمليات الإسرائيلية، يعني الدخول في مسار مختلف تماماً من حيث المخاطر السياسية والأمنية.
العقدة الحقيقية: ماذا بعد اليونيفيل؟
يرى الباحث السياسي أنس جودة أن المشكلة الأساسية لا تكمن في اختيار إيطاليا أو أي دولة أخرى، وإنما في غياب تصور سياسي متكامل لمرحلة ما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.
ويقول جودة إن أي دولة تفكر بالمشاركة ستطرح سؤالين أساسيين قبل إرسال جنودها: ما حدود المهمة؟ ومن يضمن ألا تتحول القوات إلى طرف عالق بين إسرائيل وحزب الله؟
ويضيف أن استمرار العمليات الإسرائيلية يجعل أي ضمان أمني هشاً، بينما يضيف غياب موقف نهائي وواضح من حزب الله بشأن طبيعة القوة وصلاحياتها مستوى إضافياً من المخاطر.
وبحسب جودة، تبدو إيطاليا الخيار الأكثر واقعية بسبب وجودها العسكري وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية اللبنانية، لكنها لن تنتقل إلى مهمة جديدة من دون قواعد واضحة وضمانات سياسية وأمنية.
جنوب لبنان أمام «اليوم التالي»
المشكلة، في جوهرها، ليست استبدال جنود دوليين بآخرين، وإنما تحديد شكل جنوب لبنان بعد اليونيفيل.
فإذا لم يتم الاتفاق على حدود صلاحيات القوة الجديدة، وقواعد اشتباكها، وعلاقتها بالجيش اللبناني، وطبيعة تعاملها مع حزب الله، وضمانات أمنها في مواجهة العمليات الإسرائيلية، فإن أي دولة ستجد صعوبة في المخاطرة بإرسال قواتها.
وقد تتحول المهلة المتبقية أمام اليونيفيل إلى سباق مع الزمن، خصوصاً إذا انتهت ولايتها قبل التوصل إلى ترتيبات بديلة قابلة للتنفيذ.
وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة في غياب قوة دولية فحسب، بل في احتمال نشوء فراغ أمني في منطقة لم تنتهِ فيها الحرب فعلياً، وإنما انتقلت إلى مرحلة أكثر هشاشة.
وبين إسرائيل التي تريد قوة تحقق وتراقب، وحزب الله الذي قد يتحفظ على توسيع صلاحياتها، ودول أوروبية تريد ضمان أمن جنودها، تبدو ولادة القوة البديلة لليونيفيل مرتبطة أولاً بتسوية سياسية حول مستقبل جنوب لبنان، قبل أن تكون مسألة عسكرية تتعلق بتوزيع الجنود على الأرض.







