حرية
لا يبدو تأخر حسم رئاسات اللجان النيابية في العراق مجرد خلاف على توزيع المناصب داخل مجلس النواب، إذ تتداخل في المفاوضات حسابات النفوذ السياسي مع ملفات تشريعية حساسة، من بينها قانون الحشد الشعبي، فيما يكشف تأجيل الاجتماع الدوري لقادة الإطار التنسيقي عن استمرار التفاوض حتى داخل القوى التي تسعى إلى تنسيق مواقفها بشأن إدارة البرلمان.
وكشف النائب عن كتلة دولة القانون عارف عبد الجليل الحمامي، الأربعاء، أن التفاهمات بشأن توزيع اللجان ورئاساتها لا تزال مستمرة، مرجحاً حسمها خلال الأيام المقبلة.
وأوضح أن بعض اللجان استكملت تشكيلاتها، بينما لم تُسمَّ رئاسات لجان أخرى، في حين لا تزال لجان إضافية بانتظار استكمال عضويتها، بما فيها لجنتا الثقافة والسياحة والآثار، بعد التوجه إلى الفصل بين الاختصاصات المرتبطة بالثقافة وتلك المتعلقة بالسياحة والآثار.
وفي موازاة ذلك، أفاد مصدر في الإطار التنسيقي بتأجيل الاجتماع الدوري لقادة الإطار، الذي كان مقرراً الاثنين، بسبب عدم استكمال التفاهمات بشأن رئاسات بعض اللجان ونواب رؤسائها.
وكان الإطار قد قرر في اجتماعه المنعقد في 19 تشرين الأول تشكيل لجنة فنية لبحث آلية التوزيع وفق الاستحقاقات السياسية والتمثيل النيابي، قبل رفع مقترحاتها إلى القوى المعنية.
وتكتسب هذه المفاوضات أهميتها من طبيعة اللجان المطروحة للتوزيع؛ إذ تشمل اللجان المصنفة ضمن الفئة الأولى الأمن والدفاع والمالية والاستثمار والطاقة والثروات الطبيعية، وهي ملفات تتصل بالإنفاق العام والسياسات الاقتصادية والقرارات الأمنية.
ووفق الآلية التي أعلنها الإطار، يجري تصنيف اللجان إلى فئات بحسب أهميتها، مع منح اللجان ذات الأولوية وزناً أكبر في عملية توزيع المناصب.
وبذلك، لا تقتصر أهمية رئاسة اللجنة على موقعها الإداري، بل تمتد إلى إدارة جدول أعمالها، وتنظيم مناقشة مشروعات القوانين، ومتابعة أداء الوزارات والجهات الحكومية، واستدعاء المسؤولين وفتح ملفات رقابية ضمن الصلاحيات القانونية.
ولهذا تصبح المنافسة على اللجان المالية والنزاهة والأمن والدفاع والنفط والطاقة جزءاً من التوازن السياسي داخل البرلمان، لا مجرد استكمال لإجراء تنظيمي.
وتبرز هنا إشكالية قديمة في التجربة السياسية العراقية، تتمثل في التباعد بين التوزيع السياسي للمناصب وبين معايير الاختصاص والكفاءة.
فالتوافق بين الكتل قد يساعد على ضمان التمثيل وتجنب تعطيل المؤسسات، لكنه قد يتحول، إذا طغت المحاصصة على معايير الخبرة والاستقلالية، إلى عامل يضعف الدور الرقابي ويجعل بعض الملفات رهينة التفاهمات بين القوى النافذة.
وقد تناول تحليل نشره تشاتام هاوس في تموز 2026 استمرار تحديات مكافحة الفساد في العراق، مشيراً إلى أن تعدد هيئات الرقابة ومبادرات مكافحة الفساد لم ينهِ مشكلة الإفلات من المساءلة.
ولا يثبت ذلك وجود فساد في مفاوضات اللجان الحالية، لكنه يوضح أهمية ضمان استقلال الرقابة وشفافية عملها.
وتتضح حساسية الملف أكثر عند الانتقال إلى مشروع قانون الحشد الشعبي، الذي أقره مجلس الوزراء في 29 أيلول الماضي وقرر إحالته إلى مجلس النواب.
ورغم مرور أسابيع على القرار، طالبت كتلة الصادقون النيابية، الثلاثاء، رئاسة المجلس بتوضيح ما إذا كان المشروع قد وصل رسمياً، وأسباب عدم عرضه حتى الآن، داعية إلى إحالته إلى اللجنة المختصة وإدراجه على جدول الأعمال عند وصوله.
ويضع هذا التطور رئاسات اللجان في سياق يتجاوز توزيع المناصب؛ فالقانون يتعلق بالإطار التنظيمي لمؤسسة أمنية، وبحقوق منتسبيها وعائلات القتلى والجرحى، كما يفتح النقاش بشأن بنيتها الإدارية وعلاقتها بمنظومة الدولة الأمنية.
وقد أشارت تقارير سابقة إلى أن قانون الحشد الصادر عام 2016 أقر الصفة القانونية للهيئة، لكنه لم يحسم جميع التفاصيل المتعلقة بالبنية والتشغيل، ما أبقى الحاجة قائمة إلى تشريعات أكثر تفصيلاً.
وفي هذا الإطار، فإن تأخر وصول المشروع أو عرضه لا يكفي وحده لإثبات وجود صفقة سياسية أو محاولة متعمدة لتعطيله؛ إذ يتطلب تحديد المسؤولية معرفة مسار الإحالة الرسمي، والجهة التي تسلمته، والإجراءات التي اتخذتها رئاسة المجلس واللجان المعنية. لكن مطالبة كتلة الصادقون بتوضيح رسمي تجعل مسار المشروع اختباراً عملياً لشفافية الإجراءات البرلمانية، وقدرة المجلس على الفصل بين الخلافات السياسية ومتطلبات التشريع.
وتبقى الأيام المقبلة مهمة لمعرفة ما إذا كانت القوى السياسية ستنجح في حسم رئاسات اللجان واستئناف الاجتماعات المؤجلة، أم أن الخلافات ستواصل إبطاء تفعيل الدور التشريعي والرقابي للمجلس.
فالمعيار لا يكمن في سرعة توزيع المناصب وحدها، بل في ما إذا كانت اللجان ستباشر عملها باستقلالية وفاعلية، وتتعامل مع مشروعات القوانين والملفات الرقابية وفق المصلحة العامة، بعيداً عن تحويل كل استحقاق نيابي إلى جولة جديدة من المساومات السياسية.







