بقلم: أحمد الحمداني
في زمن لم تعد فيه الحروب تُحسم فقط في السماء بالصواريخ، ولا على الأرض بالدبابات، ظهرت ساحة ثالثة أكثر خطورة منصات التواصل الاجتماعي. هناك، لا تُطلق النار… بل تُصنع الروايات لا تُحتل المدن… بل يُحتل الوعي وفي قلب هذه الفوضى، يولد أخطر تحالف الضجيج الرقمي حين يلتقي بالمقدّس.
اليوم، لم تعد الزوبعة مجرد انفجار تفاعلي عفوي، بل أصبحت أداة ضمن هندسة دقيقة للحرب الإعلامية وسمٌ يُطلق، فيديو يُقصّ بعناية، رواية مشحونة بالعاطفة تُدفع إلى الجمهور… ثم يشتعل كل شيء خلال ساعات، يتحول المستخدم العادي إلى ناقل، والمشاهد إلى مشارك، والجمهور إلى جيش غير مدرّب يقاتل دون أن يعرف أنه يقاتل.
لكن الأخطر لا يكمن فقط في هذا الضجيج، بل في محتواه.
إسرائيل تقول: الله معنا.
الولايات المتحدة الأمريكية تقول: الله معنا.
إيران تقول: الله معنا.
ثلاث قوى، ثلاث روايات، وثلاثة يقينيات مطلقة تُضخ يومياً عبر الإعلام والمنصات وهنا تتحول “الزوبعة” من مجرد تفاعل رقمي إلى أداة تعبئة عقائدية، تُغذي الصراع وتمنحه بعداً أخطر من السياسة بعد “الحق الإلهي”.
حين يُستدعى الله إلى الحرب، تتوقف اللغة عن كونها وسيلة تواصل، وتتحول إلى سلاح لا يعود الهدف إقناعك، بل دفعك للاصطفاف لا يُطلب منك أن تفهم، بل أن تؤمن وهنا تُختصر المعركة إلى معادلة بسيطة وخطيرة “نحن مع الله… إذن نحن على حق”.
في هذا المناخ، تفقد الحقيقة معناها لأن الخوارزميات لا تكافئ الحقيقة، بل تكافئ الإثارة وكلما كان المحتوى أكثر صدمة، أكثر غضباً، أكثر قداسة… كان أكثر انتشاراً وهكذا، تتكفل المنصات بتحويل روايات الحرب إلى موجات تضليل عابرة للحدود، لا تحتاج إلى جيوش منظمة بقدر ما تحتاج إلى جمهور متفاعل.
الجمهور هنا ليس ضحية فقط، بل أداة كل مشاركة، كل إعادة نشر، كل تعليق غاضب… هو طلقة إضافية في معركة لا يرى خطوطها وهكذا تظهر فئة “الوكلاء دون علم” أشخاص حقيقيون، حسابات موثوقة، إعلاميون ومؤثرون، يتحولون بدافع العاطفة أو السبق أو الانحياز إلى مضخّمات للرواية، دون إدراك أنهم جزء من ماكينة أكبر.
في هذه اللحظة، تكتمل أخطر معادلة في عصرنا:
دين + إعلام + خوارزمية = حرب بلا سقف أخلاقي.
لأن من يعتقد أن الله معه، لن يرى في خصمه إنساناً بل سيراه عدواً للسماء وعندما يُنزع عن الإنسان إنسانيته، يصبح قتله ممكناً… بل مبرراً.
تُقصف مدينة، فيُقال: إرادة إلهية.
تُستهدف قاعدة، فيُقال: نصر مقدّس.
تُزهق الأرواح، فيُقال: ثمن لا بد منه.
هكذا، يتحول الدم إلى هامش، والإنسان إلى رقم، والرواية إلى بطل مطلق وفي بيئات مضطربة، مثل منطقتنا، لا تبقى هذه “الزوبعات” داخل الشاشات قد تتحول إلى توتر في الشارع، أو انقسام سياسي، أو حتى اشتباك أمني لأن الحرب الإعلامية لم تعد انعكاساً للواقع… بل أصبحت صانعة له.
الحقيقة التي يجب مواجهتها بوضوح:
الله لم يكن يوماً مشروع حرب لكن البشر، حين يعجزون عن تبرير حروبهم، يستدعون السماء لتمنحهم شرعية الدم.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم، ليس من مع من… بل:
من يملك الحق في التحدث باسم الله؟
ومن يمنح نفسه هذا التفويض ليقرر من يعيش ومن يموت؟
في عالم يصرخ فيه الجميع “الله معنا”… يختفي صوت الإنسان وربما، قبل أن نبحث عن الحقيقة في هذا الضجيج، علينا أن نستعيد أبسط مبدأ:
أن الدم ليس دليلاً على النصر…
وأن الله، إن كان مع أحد، فلن يكون مع القتل.







