حرية
لا تبدو زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق مجرد محطة جديدة في العلاقات بين بلدين تجمعهما حدود طويلة ومصالح متشابكة، بل اختباراً لمدى قدرة بغداد ودمشق على تحويل التقارب السياسي إلى شراكة اقتصادية وأمنية، في مقدمتها ملف النفط الذي يبحث العراق عن منافذ إضافية لتصديره، فيما تسعى سوريا إلى استعادة دورها ممراً إقليمياً للتجارة والطاقة.
وخلال المباحثات الموسعة التي ترأسها الزيدي والرئيس السوري أحمد الشرع، الأربعاء، في العاصمة دمشق، برز تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً، إلى جانب توسيع التبادل التجاري وتطوير القطاع الزراعي، بوصفها ملفات تتجاوز التعاون التقليدي إلى البحث عن مصالح اقتصادية مشتركة.
وأكد الزيدي أن الشعبين العراقي والسوري شعب واحد في بلدين، مشدداً على تطوير التعاون الاقتصادي والاجتماعي والأمني وتوحيد المواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية، فيما أعرب الشرع عن تقديره للزيارة، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز العلاقات الثنائية.
وتأتي هذه المباحثات بعد تحركات متصاعدة لإحياء مشروع خط كركوك–بانياس، إذ بحث البلدان خلال الأشهر الماضية إعادة تأهيل مسار تصدير النفط نحو البحر المتوسط.
كما أذنت الحكومة العراقية في تموز الماضي بتوقيع مذكرة تفاهم لتطوير خط يربط النفط العراقي بمنافذ التصدير عبر سوريا، ضمن مساعٍ لتنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على المسارات البحرية التقليدية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل اضطرابات حركة الشحن الإقليمية، التي دفعت العراق إلى البحث عن بدائل تضمن استمرار تدفق صادراته النفطية.
وكانت بغداد قد ناقشت، قبيل الزيارة، إحياء خط كركوك–بانياس أو تطوير مسارات بديلة بطاقة تصديرية مستهدفة تبلغ مليوني برميل يومياً، إلى جانب ملفات أمن الحدود والسياحة الدينية.
لكن الوصول إلى هذه الطاقة لن يتحقق بمجرد التفاهم السياسي؛ إذ أشارت تقديرات نقلتها رويترز في آب الماضي إلى أن إنشاء منظومة جديدة متكاملة لنقل النفط عبر سوريا قد يستغرق سنوات، مع كلفة محتملة تبلغ 15 مليار دولار أو أكثر، ما يجعل دراسات الجدوى والتمويل وإعادة تأهيل البنية التحتية عناصر حاسمة في مستقبل المشروع.
ولا يتوقف التعاون المطروح عند الطاقة؛ فزيادة التبادل التجاري وتطوير الزراعة، كما جاء في بيان رئاسة الوزراء، يفتحان الباب أمام شراكة أوسع في النقل والإنتاج والأمن الغذائي، خصوصاً مع تأكيد الجانبين أهمية التنسيق الأمني واستقرار المنطقة الحدودية.
وبذلك، تضع مباحثات دمشق أمام البلدين اختباراً عملياً: الانتقال من إعلان الرغبة في تعزيز العلاقات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، تحدد الالتزامات والتمويل والجداول الزمنية، وتضمن أن تتحول مشاريع النفط والتجارة إلى مصالح متبادلة لا تبقى رهينة التفاهمات السياسية وحدها.







