سمير عطا الله
يعيد ملف الجنسية بالولادة في الولايات المتحدة فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الأميركي حول الهجرة: هل تبقى الجنسية حقاً يولد مع الإنسان على الأرض الأميركية، أم تتحول إلى امتياز مرتبط بشروط الإقامة والاندماج والارتباط الحقيقي بالدولة؟
في خطاب الرئيس دونالد ترمب، لا تبدو المسألة مجرد تعديل في قانون الهجرة، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والهجرة والهوية الوطنية. فسياسة منح الجنسية تلقائياً لمن يولد على الأراضي الأميركية لطالما شكلت عامل جذب للعائلات الأجنبية، وأصبحت في بعض الحالات هدفاً لرحلات منظمة عُرفت إعلامياً بـ«سياحة الولادة».
لكن المشكلة أكثر تعقيداً من اختزالها في صورة أم أجنبية تصل إلى المستشفى قبل أسابيع من الولادة. فالجنسية بالولادة ترتبط تاريخياً بفكرة قانونية راسخة في الولايات المتحدة، ولذلك فإن أي محاولة لتقييدها تفتح مواجهة دستورية وسياسية تتجاوز ملف الهجرة نفسه.
ومن هنا تأتي أهمية خطاب ترمب؛ فهو لا يهاجم الهجرة غير الشرعية فقط، بل يحاول إعادة رسم الحدود بين من يدخل الولايات المتحدة، ومن يقيم فيها، ومن يصبح أميركياً بحكم الولادة. وهذه الرؤية تنطلق من اعتقاد بأن الجنسية يجب ألا تكون نتيجة تلقائية لمجرد وجود عابر داخل الأراضي الأميركية.
المفارقة أن الولايات المتحدة، في الوقت الذي تتجه فيه نحو تشديد شروط الانتماء إليها، لا تزال في قلب نظام عالمي تتحرك فيه رؤوس الأموال والبشر بحثاً عن فرص أفضل. فالهجرة لم تعد دائماً هروباً من الفقر أو الحرب، بل أصبحت في بعض صورها صناعة اقتصادية متكاملة، تبيع بعض الدول الإقامة والجنسية للأثرياء، بينما تستقبل دول أخرى العمال والطلاب وأصحاب المهارات.
وبين هذين النموذجين يقف ملايين الأشخاص الذين لا يملكون ثروة المستثمر ولا نفوذ صاحب العمل ولا القدرة على شراء تذكرة العودة. هؤلاء ينظرون إلى الولايات المتحدة وأوروبا بوصفهما مساحة للخلاص الاقتصادي، بينما تنظر قطاعات سياسية متزايدة في الغرب إلى الهجرة باعتبارها تحدياً للهوية والموارد والأمن الاجتماعي.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة السياسية في مشروع ترمب. فالرئيس الذي يريد تضييق أبواب الهجرة والجنسية يطرح في الوقت نفسه تصوراً توسعياً للدولة الأميركية، يصل إلى الحديث عن ضم أراضٍ مثل غرينلاند، والضغط السياسي والاقتصادي على كندا. أي أن الرسالة ليست «أميركا مغلقة» بالكامل، وإنما «أميركا تختار من يدخل إليها، وتختار أيضاً أين تمتد حدودها».
إنها معادلة تكشف تحولاً أعمق في السياسة الأميركية: فتح المجال أمام رأس المال والنفوذ والتوسع، مقابل تشديد القيود على حركة البشر الأقل حظاً.
والسؤال الحقيقي الذي تطرحه «الولادة الذهبية» ليس فقط من يستحق الجنسية الأميركية، بل ما الذي تعنيه الجنسية نفسها في القرن الحادي والعشرين؟ هل هي رابطة قانونية تبدأ بالولادة، أم عقد اجتماعي واقتصادي وسياسي لا بد من استيفاء شروطه؟
فالعالم الذي يعيش فيه إيلون ماسك وأصحاب المليارات ليس العالم نفسه الذي يعيش فيه العامل المهاجر أو اللاجئ أو الأسرة التي تلاحق فرصة تعليم أو علاج أو حياة أفضل. وبين الاثنين تتسع الفجوة، فيما تتحول الحدود من خطوط على الخرائط إلى أدوات لتحديد من يستحق الفرصة ومن يبقى خارجها.
لذلك، فإن معركة الجنسية بالولادة قد تكون مجرد واجهة لمعركة أكبر: معركة على تعريف أميركا نفسها؛ هل هي دولة الهجرة التي صنعت قوتها من القادمين إليها، أم دولة قومية ترى أن أبوابها يجب أن تُفتح وفق حسابات صارمة للمصلحة والهوية؟
وفي النهاية، قد لا تكون القضية في «الولادة الذهبية» بقدر ما هي في السؤال الذي يسبقها: هل ما زالت أميركا ترى أن الولادة على أرضها بداية للانتماء، أم أنها تريد أن تجعل الانتماء امتيازاً لا يُمنح إلا بشروط؟







