طوني فرنسيس
في الخريف المقبل تدخل حروب الشرق الأوسط الموسعة عامها الرابع. وقبلها أنهت حرب أوكرانيا مع روسيا عامها الرابع ودخلت الخامس في ارتياح. وتخطت هذه الحروب وهي لا تزال تسعى، معايير الحروب العالمية المعروفة بسنواتها، فالأولى استمرت أربعة أعوام (1914- 1918) والثانية خمسة أعوام ونيف (1939- 1945). وكما في كل تلك الحروب السابقة، لا يزال الأفق غير واضح وإن كان يميل الى استمرار اشتعال المعارك من دون ملامح محددة.
كما في الخليج كذلك في أوكرانيا وروسيا، ينغمس الجميع في التحضير لمزيد من المعارك، والمعركة الروسية الخاصة ضد كييف تكاد تتشابه مع الحروب الخاصة الإسرائيلية- الإيرانية قبل أن تتسع، فتدخل فيها أميركا وتتحول منذ نحو سبعة أشهر إلى حرب مفتوحة تتخللها أيام هدنة تنشط خلالها خطابات التصعيد وأعمال الوساطة، إلى أن ترسو الأمور على طريق صدام إضافية لا رجعة فيها، تتيح الاهتمام بتعزيز الاستعداد والتحصين على جبهات عدة.
لقد انتبهت السعودية والمجموعة الرباعية الإسلامية تركيا ومصر وباكستان باكراً إلى خطورة الحرب الإقليمية واحتمالات تصعيدها وانعكاسها، خصوصاً على دول الخليج العربي، حيث لم تُقِم إيران منذ البداية أي اعتبار لاحترام الجيرة والسيادة الوطنية للدول.
وباكراً أطلقت الدول المذكورة حملة الوساطة التي تولتها باكستان خصوصاً، ثم ساعدت فيها قطر، وهي التي أسفرت في النهاية عن “مذكرة التفاهم” التي نسفتها إيران بتمسكها بالسيطرة وإدارة مضيق هرمز، ثم المضي في تصعيد تضمن تحريك حوثيي اليمن بعد أربعة أعوام من الهدوء النسبي، وتضمن كذلك دفع “حزب الله” في لبنان إلى عرقلة مشروع الدولة اللبنانية لاسترداد الأرض وإزالة الاحتلال الإسرائيلي. ولم يبدِ الحزب المذكور أي تعاون مع حكومة بلاده في نزع مبررات الاعتداء الإسرائيلي، كما أن قرار الحوثي المفاجئ بالعودة لشن الاعتداءات على السعودية وتخريب الملاحة في البحر الأحمر، لم يكُن سوى تكرار للعبة الإيرانية نفسها في تحريك ما بقي من أذرع لجعل فرض الشروط خلال المفاوضات مع أميركا وعلى المنطقة أكثر مقبولية.
ولم تكُن هذه السياسة مستجدة، إلا أن الترتيبات العسكرية الأخيرة التي أقرها المرشد الجديد مجتبى خامنئي، أوحت أن التصعيد هو الطريق الوحيد الذي ستسلكه إيران خلال المرحلة المقبلة.
ولقد عد مراقبون أن التغييرات العسكرية الأخيرة في إيران بمثابة “انقلاب ناعم على السلطة في البلاد”.
ويرى الباحث الروسي في “معهد الدراسات الشرقية” فلاديمير ساجين أنه “لا يهم إن كان مجتبى خامنئي حيّاً أو ميتاً، معافى أو مريضاً. فمن الواضح تماماً أن انقلاباً ناعماً وقع في إيران. وتصرف جنرالات الحرس الثوري الذين نفذوه بأسلوب شرقي- إيراني… فاحتفظوا بمنصب المرشد الأعلى والأسس الدستورية للجمهورية الإسلامية، ووصلوا إلى السلطة من دون تعديل الدستور”.
محسن رضائي الذي حل بموجب “الانقلاب الناعم” هذا في منصب المسؤول عن مجلس الأمن، هو بحسب كثر خير تمثيل للجناح الأكثر تطرفاً في النخبة الإيرانية العسكرية وحرسها الثوري. وتسليمه المسؤولية إشارة، تنبه لها المهتمون، فحواها أن سياسات إيران الخارجية والداخلية ستصبح أكثر تشدداً، وخطابها أكثر استعداء لأميركا وإسرائيل، وبطبيعة الحال لمجموعة الدول العربية في الخليج ولعدد من الدول الإسلامية التي ترفض منذ البداية سياسات الإرهاب وتصدير الثورات التي ينتهجها النظام الخميني.
وتبلورت جبهات إقليمية تنظر بحذر إلى الصراع والتفلت الإيراني ضد بلدان الخليج العربي. ومن جانب تلك البلدان جرت مساعٍ للتهدئة فشل معظمها. وتعرض الوسطاء التقليديون في مسقط والدوحة لاعتداءات متكررة، ولم تهتم طهران بمساعي السعودية وغيرها لمنع توسع الحرب وضبط حدودها، وعندما استضافت الرياض الاجتماع الشهير الذي ضم تركيا ومصر وباكستان، لم يتردد الحرس الإيراني في قصف الرياض بينما كان وزير الخارجية عباس عراقجي يطلب الحديث إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، لينال منه التوبيخ المناسب.
صحيح أن تمسك إيران بأهدافها الحربية القصوى زادت في صعوبات التسوية، إلا أنها جعلت الولايات المتحدة تعدّل وتنوع خططها للمواجهة، من دون تخلٍّ عن الأهداف الرئيسة، وإضافة إلى موقعها الدولي الراسخ وهذا يبدو أساسياً أثناء المرحلة الراهنة، عملت أميركا على تعزيز تحالفاتها التقليدية مع دول الإقليم، وتعايشت مع تحالفات جديدة أبرزها مجموعة جدة التي واكبت نشرها موجة التصعيد الإيرانية الجديدة في الإقليم، واحتمالات انفجار الصراع مرة جديدة بصورة واسعة.
وقعت السعودية وتركيا وباكستان “اتفاقاً تاريخياً” للدفاع الجماعي في مكة المكرمة. وينص “اتفاق مكة” الذي وقّعه قادة الدول الثلاث على أن مفهومه “يهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي عدوان” و”يتضمن تطوير التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث في جميع المجالات”، إلا أن العنصر الأهم في الاتفاق هو تعزيز الأمن الجماعي. وينص هذا البند الذي يحاكي المادة 5 من معاهدة حلف شمال الأطلسي، على أن أي هجوم مسلح على أي من دول التحالف الجديد يُعد هجوماً عليها جميعها”. ورأى بعض المعلقين والخبراء أنه “وسط الصراع المسلح الدائر في الشرق الأوسط الذي امتد منذ فترة طويلة إلى ما وراء إيران، يشير الاتفاق إلى انهيار جذري للنظام الأمني الإقليمي السابق وظهور قواعد ردع جديدة”.
ويؤكد أعضاء التحالف الثلاثي أن “اتفاق مكة” ذو طبيعة دفاعية بحتة، وأنه لا يستهدف مصالح أية دولة أخرى. مع ذلك، من السهل إدراك أن ظهور “مثلث” عسكري سياسي في هذا الوقت الحرج للشرق الأوسط نابع من خسارة “المحور” الموالي لإيران (نيزافيميا الروسية).
لم تسعَ إيران إلى توسيع شبكة تحالفات كالتي صاغها ويصوغها خصومها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية. وتبدو إيران في موقعها الراهن وباعتمادها على وكلاء منهكين، أقرب إلى وضعية روسيا في حربها مع أوكرانيا، حيث تفتقر إلى حلفاء لا يعوض عنهم أبناء حوض دونتيسك من ذوي الأصول الروسية. وفي المقابل نجحت أوكرانيا على رغم كل الضغوط في تثبيت تحالف غربي يدعمها بقوة خلال قمة أنقرة لدول حلف الأطلسي. وذهبت أبعد من ذلك في تحدي وجوه التعاون الإيراني- الروسي في بحر قزوين ونهر فولغا.
وأثار الرئيس الأوكراني زيلينسكي إمكانات تداخل بين الحربين لدى بداية الهجمات الإيرانية على دول الخليج، ومع ذلك بقيت الأمور منضبطة في القاموس الروسي تحت راية “العملية العسكرية الخاصة” واستمرت الولايات المتحدة في المقابل عاملاً “وسيطاً” ومحترماً لدى الطرفين منذ إعلان الرئيس دونالد ترمب عزمه إنهاء الصراع، وتأكيده خطوط التسوية خلال قمة أنكوراج مع الرئيس فلاديمير بوتين قبل عام تقريباً غداة حرب أميركا وإسرائيل الأولى ضد إيران (حرب الـ12 يوماً).
منذ تلك القمة والقمة الأميركية- الصينية التي أعقبتها، تبلور أمر واقع قوامه اتساع نطاق الحراك الأميركي وحريته النسبية على رغم المشكلات البارزة مع الحلفاء في حلف الأطلسي حول إيران، وفي المقابل انضباط الحرب الروسية- الأوكرانية في مسار لا يزال ينتظر تسوية أميركية أو حسماً روسياً يبدو صعباً.
في كل الحالات، كانت الصين في موقع النصح وتقديم المبادرات ولم تصل في أية لحظة لا هي ولا روسيا إلى النقطة التي حلمت بها إيران في شأن محور يواجه الولايات المتحدة.
وفي مناخ كهذا، تتساقط الرهانات الإيرانية القصوى على إمكان عزل أميركا، فإيران إن كانت تعتقد بأنها ستحقق نصراً أقله في هرمز قبل “طرد القوات الأميركية” من المنطقة، فهي تعتمد على ما إذا كانت أميركا قادرة على التفرغ لها أو لا. وحتى الآن لا يبدو أن ذلك مطروحاً على بساط الشك، فأميركا لا تزال متحررة من الضغوط بنسبة كبيرة، والتحالفات الجديدة أو السابقة تصب في دعم موقعها، وروسيا والصين في موقع الحياد والانتظار أقله حتى إشعار آخر.







