حرية
أكد مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، ماروش شفتشوفيتش، أن بروكسل تتطلع إلى تحقيق نتائج عملية وملموسة في محادثاتها التجارية مع الصين بحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، في إطار جهود تستهدف معالجة الاختلال المتزايد في الميزان التجاري بين الجانبين.
وقال شفتشوفيتش، عقب اجتماع مع وزير التجارة الصيني وانغ ون تاو في بروكسل، إن المحادثات اتسمت بأنها “مكثفة ومركزة وبناءة”، مشيراً إلى أن فرق التفاوض ستواصل مناقشاتها بهدف التوصل إلى تفاهمات عملية قبل الزيارة المرتقبة إلى بكين في أكتوبر.
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى معالجة اتساع الفجوة التجارية، لافتاً إلى أن الصادرات الصينية إلى الأسواق الأوروبية تواصل النمو، في حين تتراجع الحصة السوقية للشركات الأوروبية داخل الصين، وهو ما وصفه بأنه “اتجاه غير مستدام”.
وأضاف أن الجانبين شكلا مجموعات عمل متخصصة لمناقشة عدد من الملفات، من بينها الميزان التجاري، وضوابط التصدير، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وإصلاح منظمة التجارة العالمية.
وأشار شفتشوفيتش إلى أن التطمينات التي قدمتها بكين بشأن استمرار تدفق العناصر الأرضية النادرة وعدم تعطيل سلاسل التوريد الأوروبية تمثل مؤشراً إيجابياً، في ظل أهمية هذه المعادن للصناعات التكنولوجية والتحول نحو الطاقة النظيفة.
ويأتي ذلك في وقت يطالب فيه قادة الاتحاد الأوروبي المفوضية الأوروبية بتحقيق تقدم ملموس في الحوار التجاري مع الصين، بعدما ارتفع الفائض التجاري الصيني مع التكتل إلى 360.6 مليار يورو خلال عام 2025، بزيادة بلغت 15% مقارنة بعام 2024، فيما سجل الفائض نمواً إضافياً بنسبة 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي.
وأكد شفتشوفيتش أن فرق العمل تمتلك الوقت الكافي حتى أكتوبر لإنجاز نتائج عملية، مشيراً إلى أنه تلقى دعوة رسمية من وزير التجارة الصيني لزيارة بكين خلال ذلك الشهر.
لماذا تكتسب هذه المفاوضات أهمية؟
تعكس تصريحات المفوض الأوروبي تصاعد القلق داخل الاتحاد الأوروبي من استمرار الاختلال الهيكلي في العلاقات التجارية مع الصين، إذ لم يعد التركيز منصباً فقط على حجم التبادل التجاري، بل على طبيعة هذا التبادل ومدى تكافؤ فرص الوصول إلى الأسواق.
وتبرز عدة مؤشرات رئيسية:
- الفجوة التجارية تتسع: وصول فائض الصين التجاري مع الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 360 مليار يورو يعكس استمرار اعتماد الأسواق الأوروبية على الواردات الصينية بوتيرة أعلى من قدرة الشركات الأوروبية على النفاذ إلى السوق الصينية.
- ضغط أوروبي لتحقيق نتائج ملموسة: تحديد شهر أكتوبر كموعد مستهدف يشير إلى رغبة بروكسل في تحويل الحوار من مرحلة المشاورات إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ، خصوصاً في الملفات التي تؤثر على تنافسية الشركات الأوروبية.
- العناصر الأرضية النادرة في صلب المفاوضات: أصبحت هذه المعادن ورقة استراتيجية في العلاقات بين الطرفين، نظراً لاعتماد الصناعات الأوروبية عليها في إنتاج البطاريات، والسيارات الكهربائية، وأشباه الموصلات، والتقنيات المتقدمة. لذلك فإن تطمينات بكين بشأن استمرار الإمدادات تحمل أهمية اقتصادية كبيرة.
- إصلاح قواعد التجارة العالمية: إدراج إصلاح منظمة التجارة العالمية ضمن أجندة الحوار يعكس إدراك الطرفين أن الخلافات التجارية الحالية تتجاوز الملفات الثنائية، وتمتد إلى مستقبل النظام التجاري العالمي في ظل تصاعد السياسات الحمائية والتنافس الجيوسياسي.
من المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة مفاوضات مكثفة بين بروكسل وبكين، وسط محاولات أوروبية لتحقيق توازن أكبر في العلاقات التجارية دون الانزلاق إلى مواجهة اقتصادية شاملة مع الصين. وفي المقابل، تبدو بكين حريصة على الحفاظ على السوق الأوروبية، لكنها ستسعى إلى تجنب تقديم تنازلات قد تؤثر في نموذجها الصناعي أو قدرتها التنافسية.
وستشكل نتائج المباحثات المرتقبة في أكتوبر مؤشراً مهماً على ما إذا كانت العلاقات الاقتصادية بين الجانبين ستتجه نحو إعادة التوازن والتعاون، أم نحو مزيد من القيود التجارية والتنافس الاستراتيجي في السنوات المقبلة.







