حرية
تصاعد الجدل السياسي والنيابي في العراق حول مقترح دفع رواتب الموظفين بالدولار الأمريكي، خاصة بعد قرار مجلس الوزراء الأخير بتعديل سعر الصرف الرسمي إلى 1520 ديناراً للدولار الواحد، ودعوة بعض النواب إلى دفع جزء من الراتب بالدولار لرفع القيمة الشرائية للمواطنين وإتاحته؛ ما يقلل من سعره في السوق الموازي الذي وصل إلى 167 ألف دينار مقابل كل 100 دولار.
ومع قفزة أسعار الدولار في السوق الموازي بفعل زيادة الطلب عليه، دخلت الأسواق المحلية في موجة تضخم سريعة وتآكلت القيمة الشرائية الفعلية للرواتب بنسبة تتراوح بين 15% إلى 20%، مما جعل الموظف العراقي يتحمل العبء الأكبر للفارق بين السعرين، نظراً لأن العراق يستورد أكثر من 85% من سلعه واحتياجاته الاستهلاكية بالدولار.
وعن إمكانية الاستجابة إلى الدعوات النيابية وصرف جزء من الراتب بالدولار، يقول الخبير القانوني علي التميمي في حديث لـ(حرية)، إنه “لا يوجد سند قانوني حالياً، بل إن تطبيقه يعد مخالفة صريحة لقوانين نافذة، ويحتاج إلى تعديل تشريعي”، مبيناً أن “قوانين الخدمة والرواتب نصت على الدينار حصراً”.
ويضيف، أن “المادة الأولى من قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008، عرفت الراتب، والمادة (3) وجدول الرواتب الملحق بالقانون حددت مقدار الراتب بالأرقام بالدينار العراقي حصراً (مثلاً 170,000 دينار، 210,000 دينار)، فالنص القانوني للراتب هو بالدينار، وأي دفع بعملة أخرى يعتبر تعديلاً لجدول الرواتب وهذا لا يكون إلا بقانون حسب المادة 3/ثانياً من ذات القانون”.
ويشير التميمي إلى “نصوص قانونية أخرى تمنع دفع الرواتب بالدولار، ومنها المادة (56) من قانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960 وما بعدها والتي تتحدث عن أن الراتب والمخصصات بالعملة الوطنية”.
ويتابع أن “قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، في المادة (32) فقرة أولاً: (يكون الدينار العراقي هو العملة الوطنية… وهو العملة القانونية الوحيدة التي لها قوة إبراء غير محدودة داخل العراق) والمادة (33): (لا يجوز إلزام أي شخص بقبول عملة أخرى غير الدينار في الوفاء بالديون داخل العراق) والراتب هو دين بذمة الدولة للموظف، فيجب وفاؤه بالعملة القانونية”.
ويؤكد أن “المادتين (2) و(15) من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019، نصتا على أن وحدة الحساب في الموازنة والحسابات الحكومية هي الدينار العراقي، كما أن تخصيصات تعويضات الموظفين تبوب في الموازنة بالدينار العراقي، وصرفها بغير الدينار يعد مخالفة لتبويب الموازنة ويعرض الموظف المختص للمساءلة وفق المادة 27 و28 من قانون الإدارة المالية”.
ويلفت إلى أن “قراري مجلس الوزراء رقم 23086 لسنة 2023 و65 لسنة 2023، منعا التعامل بالدولار داخل العراق وحصر جميع العقود والمعاملات الداخلية بالدينار، وهو ضمن سياسة إزالة الدولرة التي يتبناها البنك المركزي”.
استثناء وحيد
ويكشف التميمي عن استثناء وحيد يجيز الدفع بغير الدينار، ويوضح، أن “الاستثناء الوحيد الذي أجازه المشرع هو خارج العراق، فنظام مخصصات موظفي وزارة الخارجية في الخارج رقم 8 لسنة 2014 وقانون الخدمة الخارجية رقم 45 لسنة 2008، وتعليمات إيفاد الموظفين، حيث يجوز دفع الراتب والمخصصات بالعملة الأجنبية (الدولار) لموظفي السفارات والبعثات والطلبة المبتعثين، لأن مكان الوفاء خارج السيادة النقدية العراقية، أما داخل العراق فلا يجوز”.
ويشدد على، أنه “لا يوجد سند قانوني للمطالبة بدفع 300-400 دولار من الراتب داخل العراق، بل هو مخالف للقانون رقم 22 لسنة 2008 وقانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004 وقانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019”.
ويضيف، أن “دفع الراتب بالدولار يتطلب تعديل قانون رواتب موظفي الدولة رقم 22 لسنة 2008 وتعديل جدول الرواتب من الدينار إلى الدولار وتعديل قانون البنك المركزي وتعديل قانون الموازنة وهذا يحتاج تشريع برلماني كامل وليس قراراً تنفيذياً”.
ويؤكد، أنه “بدل الدفع بالدولار، يمكن المطالبة بزيادة مخصصات غلاء المعيشة أو تعديل سلم الرواتب لمواجهة التضخم الناتج عن تغيير سعر الصرف، وهذا له سند في المادة 15 من قانون الرواتب رقم 22 لسنة 2008 التي تجيز لمجلس الوزراء تعديل المخصصات”.
رغم محاولات البنك المركزي العراقي ضبط الإيقاع، يظل سعر الدولار في السوق الموازي هو المحرك الفعلي للأسعار اليومية في الأسواق الشعبية والمحلات التجارية، وهذا الواقع دفع بعض النواب والجهات المجتمعية والمنابر الدينية إلى طرح مقترح “توزيع الرواتب بالدولار” كأداة لحماية الطبقات المتوسطة والفقيرة، وضمان عدم تسييل مدخراتهم بالعملة الوطنية الضعيفة أمام جشع المضاربين.







