حرية | تقرير تحليلي | 23 آذار 2026 – إعداد: قسم التحليل – قسم الاخبار

في موقع سقوط صاروخ بمدينة عراد، خرج وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر بتصريح حاد اتهم فيه إيران باستهداف المدنيين كـ”استراتيجية حرب”، واصفاً ذلك بأنه “دليل واضح على جرائم حرب”. غير أن هذا الخطاب، حين يُوضع ضمن السياق الأوسع للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان، يكشف عن مفارقة عميقة بين الرواية الرسمية والوقائع الميدانية، ويطرح تساؤلات جدية حول أبعاده النفسية والسياسية.
في إطار العمليات النفسية لا يُنظر إلى مثل هذه التصريحات بوصفها مجرد مواقف سياسية، بل كأدوات مدروسة تهدف إلى:
إعادة تعريف الصراع أخلاقياً (إسرائيل كمدافع عن المدنيين)
نزع الشرعية عن الخصم ووصمه بجرائم الحرب
التأثير على الرأي العام الدولي قبل أي تحقيقات محتملة
تعزيز التماسك الداخلي في أوقات الأزمات
تصريح ساعر يندرج بوضوح ضمن هذه المنظومة، حيث يتم تكثيف التركيز على “استهداف المدنيين” كعنوان رئيسي، في محاولة لإعادة ضبط السردية الدولية.
رغم هذا الطرح، تشير تقارير أممية ومنظمات دولية إلى معطيات مختلفة، خصوصاً في قطاع غزة:
أكثر من 30 ألف قتيل خلال جولات التصعيد الأخيرة
نسبة كبيرة من الضحايا من النساء والأطفال
تدمير واسع لآلاف المنازل والبنية التحتية
كما وثّقت تقارير إعلامية:
استهداف مناطق مكتظة بالسكان
استهداف ضحايا قرب نقاط توزيع المساعدات الإنسانية
انهيار أجزاء كبيرة من المنظومة الصحية
رمي عشوائي تجاه القرى
هذه الأرقام تجعل من الصعب تثبيت رواية “الاستهداف العسكري البحت” دون مواجهة انتقادات واسعة.
في جنوب لبنان:
ضربات طالت مناطق سكنية
نزوح آلاف المدنيين
أضرار كبيرة في البنى التحتية
أما في إيران:
تقارير عن ضربات داخلية
أضرار في مواقع مدنية
اضرار في مدارس
سقوط ضحايا غير عسكريين في بعض الحالات
ما يعزز صورة أن الصراع لم يعد محصوراً في أهداف عسكرية صرفة.
من الهجوم إلى الدفاع… مؤشر على الضغط
التحول الأبرز في الخطاب الإسرائيلي هو انتقاله من لغة المبادرة والهجوم إلى لغة التبرير والدفاع.
في علم الاتصال السياسي، يُعد هذا التحول دلالة على:
تصاعد الضغط الإعلامي الدولي
تراجع القدرة على التحكم بالرواية
تزايد الحاجة إلى التبرير بدلاً من الإقناع
وهنا يصبح تصريح ساعر أقرب إلى “رد فعل إعلامي” منه إلى “موقف استباقي”.
الضغط الداخلي… المحرك الخفي
لا يمكن فصل هذا الخطاب عن الداخل الإسرائيلي، حيث تتزايد:
الانتقادات الشعبية للحكومة
الضغوط من عائلات الجنود والرهائن
المخاوف من طول أمد الحرب
في مثل هذه الظروف، تلجأ الحكومات عادة إلى:
تضخيم التهديد الخارجي
توحيد الجبهة الداخلية عبر خطاب الخطر
إعادة إنتاج صورة “الدولة المستهدفة”
وبالتالي، فإن الحديث عن “استهداف المدنيين الإسرائيليين” يخدم أيضاً وظيفة داخلية بامتياز.
هل يعكس الخطاب خوفاً؟
في التحليل الاستراتيجي، لا يُقاس “الخوف” فقط بالقدرة العسكرية، بل بقدرة الدولة على:
الحفاظ على صورتها الدولية
السيطرة على الرواية الإعلامية
تجنب العزلة السياسية
ومن هذا المنطلق، فإن انتقال الخطاب إلى التركيز المكثف على “الضحايا المدنيين” قد يعكس قلقاً متزايداً من فقدان الشرعية الدولية، أكثر مما يعكس ضعفاً عسكرياً مباشراً.
التناقض الذي يضعف الرواية
بينما يؤكد غدعون ساعر أن استهداف المدنيين هو “استراتيجية للخصم”، تشير الوقائع إلى:
آلاف الضحايا المدنيين في فلسطين
دمار واسع في الأحياء السكنية
نزوح جماعي في أكثر من جبهة
هذا التناقض يجعل الخطاب عرضة للتشكيك، خصوصاً في ظل انتشار الصور والتقارير الميدانية.
ما بين عراد وغزة، يتجاوز الأمر مجرد تبادل اتهامات، ليصبح جزءاً من حرب روايات شاملة.
تصريحات ساعر تمثل محاولة لإعادة صياغة المشهد، لكنها تصطدم بواقع ميداني معقّد، حيث لم تعد البيانات الرسمية وحدها كافية لتشكيل القناعة.
في النهاية، تبقى المعركة الحقيقية ليست فقط في من يملك القوة، بل في من يملك القدرة على إقناع العالم بروايته…
وهنا تحديداً، تبدو الفجوة بين الخطاب والواقع هي التحدي الأكبر.







