حرية
كشف مصدر في الإطار التنسيقي، اليوم الأحد، عن وجود تفاهمات سياسية داخل القوى الشيعية بشأن الإسراع في حسم قانون الخدمة والتقاعد الخاص بمنتسبي هيئة الحشد الشعبي، بالتزامن مع ترتيبات سياسية وأمنية تتعلق بملف سلاح الفصائل المسلحة، في ظل اقتراب الموعد الحكومي المحدد لحصر السلاح بيد الدولة.
وقال المصدر، إن زعامات الإطار التنسيقي اتفقت خلال اجتماعات واتصالات متبادلة على ضرورة إنجاز التعديلات الخاصة بقانون الخدمة والتقاعد للحشد الشعبي وإحالته إلى مجلس النواب، بهدف استكمال مساره التشريعي والتصويت عليه قبل نهاية أيلول/سبتمبر المقبل.
وأوضح أن مشروع القانون سبق أن خضع للقراءة الأولى خلال حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، قبل أن يُعاد إلى الحكومة لإجراء تعديلات على عدد من مواده، بما يضمن معالجة الملفات القانونية والوظيفية المرتبطة بمنتسبي الهيئة.
وبحسب المصدر، تشمل التعديلات المرتقبة تنظيم الرتب والتدرج الوظيفي، وضمان حقوق الشهداء والجرحى، ومعالجة أوضاع المنتسبين الذين تجاوزوا السن القانونية للتقاعد، فضلاً عن تنظيم الهيكلية العامة لهيئة الحشد وعدد تشكيلاتها وألويتها وقياداتها.
كما تتناول التعديلات أوضاع أشخاص أُدرجوا ضمن صفوف الحشد خلال معارك تحرير المدن من تنظيم داعش منذ عام 2014، رغم أن أعمار بعضهم كانت دون السن القانونية المعتمدة في حينها، بما يتطلب معالجة أوضاعهم ضمن إطار تشريعي واضح.
وأشار المصدر إلى وجود توجيه سياسي للإسراع في إنجاز المشروع، على أن تتم إحالته إلى لجنتي الأمن والدفاع والقانونية في مجلس النواب لدراسته واستكمال الملاحظات قبل عرضه مجدداً على المجلس.
وأكد أن هناك توافقاً سياسياً ونيابياً على أهمية إقرار القانون، استناداً إلى ما قدمه منتسبو الحشد خلال الحرب على تنظيم داعش، وما يتصل بحقوقهم الوظيفية والقانونية.
وكان رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي قد أكد في وقت سابق أن الحكومة تولي هيئة الحشد الشعبي اهتماماً، وأنها ماضية في تقديم قانون الحشد إلى مجلس النواب، باعتبار الهيئة جزءاً من تشكيلات القوات المسلحة العراقية.
السلاح.. من «النزع» إلى «الإدارة»
بالتوازي مع المسار التشريعي، كشف المصدر عن تفاهمات تتعلق بطريقة التعامل مع سلاح الفصائل المسلحة، مشيراً إلى أن أي أسلحة يجري تسليمها ضمن الترتيبات السياسية لن تُنقل إلى مخازن وزارتي الدفاع أو الداخلية أو جهاز مكافحة الإرهاب، وإنما إلى مخازن هيئة الحشد الشعبي، حتى في حال تنفيذ عمليات التسليم بحضور ممثلين عن المؤسسات الأمنية.
ووفق المصدر، فإن هذا التفاهم يأتي ضمن صيغة أوسع تحت عنوان «إدارة السلاح»، على أن تبدأ إجراءات نقل الأسلحة بعد استكمال انسحاب القوات الأميركية من العراق وإقرار قانون الخدمة والتقاعد الخاص بالحشد الشعبي.
وتكشف هذه المعطيات عن محاولة سياسية لإدارة ملف بالغ الحساسية عبر مسارين متوازيين: الأول يتعلق بتنظيم الوضع القانوني والمؤسسي للحشد، والثاني يتعلق بإيجاد صيغة للتعامل مع أسلحة الفصائل بما يخفف احتمالات الصدام ويضمن انتقال الملف إلى إطار الدولة بصورة تدريجية.
30 أيلول.. الموعد الذي يضغط على الجميع
وتكتسب هذه التفاهمات أهمية أكبر مع اقتراب 30 أيلول/سبتمبر، وهو الموعد الذي حددته الحكومة لحسم ملف حصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع الاستحقاقات المرتبطة بإنهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي في العراق.
وكان المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي قد أكد أن الحكومة أبلغت الفصائل المسلحة بالموعد وآليات التعامل مع الملف، مشيراً إلى أن ستة فصائل معنية بالحوار استجابت بصورة إيجابية، فيما تستمر الاتصالات مع فصائل أخرى للتوصل إلى تفاهمات بشأن آليات التنفيذ.
ويضع هذا التطور الحكومة أمام اختبار سياسي وأمني مهم، إذ إن نجاحها في نقل ملف السلاح من حالة التعدد في مراكز القرار إلى إطار مؤسسات الدولة لن يرتبط بالجانب القانوني وحده، وإنما بقدرتها على بناء تفاهم سياسي يحافظ على هيبة الدولة ويمنع تحول العملية إلى مصدر توتر داخلي.
المشهد الحالي يبدو أقرب إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة منه إلى مجرد تمرير قانون جديد. فقانون الخدمة والتقاعد للحشد، في حال إقراره، يمكن أن يوفر إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً لحقوق المنتسبين وهيكلية الهيئة، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام معالجة مسألة العلاقة بين تشكيلات الحشد وبقية مؤسسات القوات المسلحة.
أما استخدام تعبير «إدارة السلاح» بدلاً من «نزع السلاح» فيعكس محاولة لتقليل الحساسية السياسية للملف، خصوصاً أن بعض الفصائل تنظر إلى السلاح باعتباره جزءاً من دورها الأمني والسياسي. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسمية العملية، بل في من يمتلك قرار استخدام السلاح، ومن يملك سلطة إصدار الأمر، ومن يتحمل المسؤولية القانونية عن أي استخدام للقوة.
ومن هذه الزاوية، فإن نقل السلاح من مخازن الفصائل إلى مخازن الحشد قد يمثل خطوة انتقالية، لكنه لا يحسم وحده قضية حصر السلاح. فالهدف النهائي لأي ترتيبات حكومية يفترض أن يكون توحيد سلسلة القيادة والسيطرة، بحيث تكون جميع الأسلحة والتشكيلات خاضعة للقائد العام للقوات المسلحة والقوانين والمؤسسات الرسمية.
كما أن الربط بين إقرار قانون الحشد وانسحاب القوات الأميركية يوضح أن القوى السياسية تحاول ترتيب الملفات وفق تسلسل زمني يمنع حدوث فراغ أو مواجهة. لكن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الحكومة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات مؤسسية قابلة للتنفيذ، بعيداً عن الصفقات المؤقتة أو الصيغ التي قد تؤجل المشكلة بدلاً من حلها.
وفي النهاية، فإن 30 أيلول لن يكون مجرد موعد إداري لانتهاء مهمة التحالف الدولي، بل اختباراً لمدى قدرة الدولة العراقية على فرض مفهوم واحد للسيادة الأمنية. فإذا ترافق انسحاب القوات الأجنبية مع تعزيز سلطة المؤسسات العراقية وتنظيم وضع جميع التشكيلات المسلحة قانونياً، فقد يتحول الموعد إلى محطة لإعادة تثبيت هيبة الدولة. أما إذا بقي السلاح مرتبطاً بتفاهمات سياسية متعددة ومراكز قرار متباينة، فإن المشكلة ستبقى قائمة حتى بعد مغادرة القوات الأجنبية.
المعادلة الأهم في المرحلة المقبلة ليست من يملك السلاح، وإنما من يملك قرار استخدامه. فالسيادة لا تكتمل بمجرد تخزين السلاح داخل مؤسسة رسمية، وإنما عندما يصبح قرار الحرب والسلم واستخدام القوة حصراً بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.







