حرية | الثلاثاء 24 آذار 2026
دخلت الحدود السورية – العراقية مرحلة حساسة بعد إعلان الجيش العربي السوري حالة التأهب القصوى، إثر تعرض قاعدة عسكرية في ريف الحسكة لقصف صاروخي مصدره الأراضي العراقية، في حادثة تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول أمن الحدود ومستقبل التنسيق بين بغداد ودمشق.
ووفق بيان رسمي، استُهدفت قاعدة عسكرية قرب بلدة اليعربية بخمسة صواريخ أُطلقت من عمق الأراضي العراقية، وتحديداً من محيط قرية تل الهوى، على بعد نحو 20 كيلومتراً داخل الحدود. وعلى الفور، جرى تفعيل قنوات التنسيق بين الجانبين، حيث أعلنت القوات العراقية بدء عمليات تمشيط واسعة لتعقب الجهات المنفذة.
التصعيد جاء متزامناً مع إعلان السلطات السورية تفكيك خلية مرتبطة بـ«الحشد الشعبي» في دير الزور، كانت تنشط – بحسب مصادر أمنية – في نقل المعلومات وتهريب السلاح، ما أضفى بعداً أكثر تعقيداً على الحادثة، وربطها بسياق أوسع من الصراع الاستخباري والنفوذ الإقليمي داخل الأراضي السورية.
وفي موقف لافت، حمّل معاون وزير الدفاع للمنطقة الشرقية سيبان حمو السلطات العراقية مسؤولية منع تكرار الهجمات، معتبراً أن ما جرى يعكس خللاً في السيطرة على بعض المناطق الحدودية، في حين شدد الجانب العراقي، عبر قائد قوات الحدود الفريق محمد السعيدي، على أن الحدود مؤمّنة بالكامل وتخضع لمراقبة مشددة.
بالتوازي، تراقب دمشق بقلق التطورات في لبنان، وسط مؤشرات على تصعيد داخلي محتمل، خصوصاً مع تهديدات صادرة عن قيادات في «حزب الله». وتُظهر المعطيات أن صانع القرار السوري يتعامل مع المشهد عبر ثلاثة مسارات: الترقب، أو التدخل المباشر ضد الحزب، أو التنسيق الإقليمي مع أطراف عربية فاعلة.
اقتصادياً، بدأت تداعيات التوترات الإقليمية تنعكس سريعاً داخل سوريا، مع بروز أزمة في الغاز المنزلي وارتفاع الأسعار، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية لقطاع الطاقة بحاجة إلى إصلاحات طويلة الأمد، ما يزيد من حساسية أي انخراط عسكري محتمل.
ما جرى على الحدود السورية – العراقية لا يمكن قراءته كحادث أمني عابر، بل هو مؤشر على مرحلة جديدة من “الاحتكاك غير المباشر” داخل ساحة مزدحمة بالفاعلين.
أولاً – الرسالة الأمنية واضحة:
الحدود لم تعد خطوط فصل، بل تحولت إلى مساحات اختبار للنفوذ، حيث تعمل جهات غير نظامية على فرض معادلات جديدة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة وتشابك القوى المسلحة.
ثانياً – دمشق أمام معادلة دقيقة:
الرد القوي قد يفتح باب التصعيد مع أطراف داخل العراق، بينما ضبط النفس قد يُفسَّر كضعف، ما يجعل خيار “التنسيق الأمني المكثف” هو المسار الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.
ثالثاً – الربط بين حادثة الحسكة وتفكيك الخلية في دير الزور يعكس تصاعد حرب الظل الاستخبارية، حيث لم تعد المواجهة تقليدية، بل تعتمد على الاختراقات الأمنية، ونقل السلاح، وبناء شبكات داخل العمق الجغرافي للدول.
رابعاً – الملف اللبناني يشكل عامل ضغط إضافي على القرار السوري، إذ إن أي انفجار داخلي في لبنان قد يدفع دمشق إلى إعادة التموضع، خصوصاً إذا حاولت أطراف إقليمية جرّها إلى ساحة مواجهة جديدة.
خامساً – العامل الاقتصادي سيكون حاسماً؛ فدمشق، التي تعاني من هشاشة اقتصادية واضحة، تدرك أن أي انخراط عسكري واسع قد يبدد فرص التعافي، ويعيدها إلى مربع الاستنزاف.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو بقاء سوريا في موقع “الاستنفار دون الانخراط”، مع تعزيز التنسيق الأمني مع العراق وتشديد الرقابة على الحدود مقابل تجنب التصعيد المباشر… لكن أي خطأ في الحسابات أو تكرار الهجمات قد يدفع المنطقة إلى مسار مختلف تماماً.







