رغد بنت زيد
لم يعد إعلان حالة الإنذار في العراق حدثاً استثنائياً يثير الذعر كما كان في سنوات العنف الأولى، لكنه ما زال قادراً على إحياء شعور أكثر تعقيداً من الخوف نفسه؛ شعور الإرهاق النفسي المتراكم. فالمجتمع الذي أنهكته الحروب والصراعات والأزمات المتلاحقة لم يعد يتفاعل مع الأخبار الأمنية بالصدمة، بل بالسخرية، وكأن الضحك أصبح وسيلته الأخيرة لمقاومة القلق.
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تنتشر التعليقات الساخرة والنكات فور صدور أي إعلان عن رفع مستوى الجاهزية أو حالة الإنذار. وقد تبدو هذه السخرية للوهلة الأولى دليلاً على اللامبالاة، لكنها في حقيقتها تعكس حالة دفاع نفسي يلجأ إليها الأفراد عندما تتكرر الضغوط إلى الحد الذي يصبح معه الخوف جزءاً من الحياة اليومية. فالسخرية هنا ليست إنكاراً للمخاطر، بل محاولة لتخفيف وطأة المجهول واستعادة شيء من السيطرة على واقع لا يمكن التنبؤ به.
لقد عاش العراقيون على مدى أكثر من عقدين سلسلة متواصلة من الحروب والتفجيرات والصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية، حتى أصبح خبر الاستنفار الأمني مألوفاً في الوعي الجمعي. ومع هذا الاعتياد، لم يختفِ القلق، بل تغيّر شكله؛ من خوف ظاهر إلى قلق صامت، ومن ذعر آني إلى توتر مزمن يرافق تفاصيل الحياة اليومية.
ولذلك، فإن كثيراً من العراقيين لا يتساءلون عند إعلان حالة الإنذار عن طبيعة الإجراءات الأمنية، بل عن تأثيرها المحتمل على حياتهم: هل ستُغلق الطرق؟ هل ستتوقف الأعمال؟ هل ستتعطل حركة السفر؟ وهل تمضي الأزمة كما مرت سابقاتها، أم أن هذه المرة مختلفة؟ إنها أسئلة تختصر حجم عدم اليقين الذي أصبح جزءاً من المشهد اليومي.
إن أخطر ما تتركه حالات الإنذار المتكررة ليس انتشار القوات في الشوارع، بل ترسيخ شعور دائم بأن الاستقرار هش، وأن أي تطور إقليمي قادر على تغيير إيقاع الحياة في ساعات قليلة. ومع مرور الوقت، تتآكل ثقة المواطن بديمومة الهدوء، ويصبح التخطيط للمستقبل أكثر صعوبة، لأن الحاضر نفسه يبدو معلقاً على إيقاع الأزمات.
لهذا، لم تعد النكات المتداولة على مواقع التواصل مجرد مادة للتسلية، بل تحولت إلى مؤشر اجتماعي ونفسي يكشف حجم الضغوط التي يعيشها العراقيون. إنها لغة مجتمع اعتاد تحويل القلق إلى دعابة، والخوف إلى تعليق ساخر، ليس لأنه فقد الإحساس بالخطر، بل لأنه يبحث عن وسيلة تجعله قادراً على احتمال واقع لم يمنحه حتى الآن فرصة للعيش خارج دائرة الاستنفار.
وربما تكون المفارقة الأكثر إيلاماً أن العراقي لم يعد يخشى إعلان الإنذار بقدر ما يخشى أن يصبح هذا الإنذار حالة دائمة، وأن يتحول الاستقرار إلى استثناء، فيما يغدو الاستنفار هو القاعدة التي تُقاس عليها الحياة.
يمكن أيضاً تطويرها إلى مقال رأي افتتاحي من نحو 1200 كلمة يربط الحالة النفسية للعراقيين بالوضع الأمني والإقليمي وتأثير ذلك على الاقتصاد والاستثمار وثقة الشارع.







