حرية
لم تعد مشكلة المخدرات في العراق تقتصر على انتشار المواد المخدرة أو عمليات الاتجار بها، بل باتت قضية تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وأسرية، وتلقي بظلالها على الشباب ومستقبلهم وعلى استقرار الأسرة والمجتمع. وبين ضغوط الحياة والقلق والاكتئاب والتفكك الأسري وتأثير رفاق السوء، تتعدد الأسباب التي قد تدفع بعض الأشخاص إلى التعاطي، فيما تبرز الحاجة إلى تجاوز المعالجة القائمة على العقوبة وحدها، نحو منظومة متكاملة تجمع الوقاية والعلاج النفسي والتأهيل وإعادة الاندماج المجتمعي.
وفي هذا السياق، تحذّر أخصائية الطب النفسي بتول عيسى، من اختزال ظاهرة الإدمان في عامل واحد، مؤكدة أن مواجهتها تبدأ بفهم الدوافع التي تقود إلى التعاطي، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب تعزيز دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والإعلامية.
وتقول عيسى، في حديث لـ(حرية)، إن تعاطي المخدرات لا يرتبط بعامل واحد، بل ينتج عن تداخل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية، مبينة أن بعض الأشخاص يلجؤون إلى المخدرات هرباً من مشاعر القلق والاكتئاب، أو نتيجة التعرض لصدمات نفسية وتجارب مؤلمة، فضلاً عن الشعور بالوحدة والفراغ وفقدان المعنى والهدف في الحياة.
وتضيف أن بعض الأشخاص يعانون ضعفاً في مهارات التعامل مع الضغوط، فيلجؤون إلى التعاطي باعتباره وسيلة مؤقتة للهروب من الألم النفسي، فيما تبرز اجتماعياً عوامل أخرى، من بينها التفكك والعنف الأسري، وضعف الرقابة والاحتواء داخل الأسرة، وتأثير أصدقاء السوء، والبطالة والفقر والتهميش الاجتماعي.
وتلفت إلى أن سهولة الوصول إلى المواد المخدرة تمثل عاملاً إضافياً في انتشار التعاطي، مشيرة إلى أن بعض العاملين في القطاعين الطبي والصحي قد يكونون أكثر عرضة لمخاطر التعاطي نتيجة قربهم من بعض المواد المخدرة، إلى جانب الضغوط المهنية والنفسية التي يتعرضون لها وصعوبة التعامل معها.
الوقاية تبدأ قبل الوصول إلى الإدمان
وعن سبل مواجهة الظاهرة، ترى عيسى أن مكافحة المخدرات ينبغي ألا تبدأ عند وصول الفرد إلى مرحلة التعاطي، وإنما من خلال برامج وقائية مبكرة تتضمن إدماج أخصائي الصحة النفسية، وتوفير خدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتعزيز مهارات مواجهة الضغوط وتنظيم الانفعالات وحل المشكلات.
وتؤكد ضرورة نشر التوعية في المدارس والجامعات، والاستفادة من المنابر الدينية في توجيه الشباب وتحذيرهم من مخاطر المخدرات، فضلاً عن الاهتمام بالفئات الأكثر عرضة للخطر، ولا سيما المراهقين والشباب، وتوفير بيئات أسرية وتربوية آمنة تمنحهم الشعور بالانتماء والاحتواء.
وتشدد على أن الوقاية الحقيقية لا تبدأ عند ضبط المواد المخدرة، بل من فهم الظروف التي تدفع الإنسان إلى البحث عنها، ومعالجة الأسباب النفسية والاجتماعية التي قد تقوده إلى التعاطي.
المدارس والجامعات بحاجة إلى برامج مستمرة
وبشأن دور المؤسسات التعليمية في الحد من انتشار المخدرات، تشير عيسى إلى ضرورة الانتقال من حملات التوعية الموسمية والمحاضرات التقليدية إلى برامج مستمرة وممنهجة، تتناسب مع المراحل العمرية والاحتياجات النفسية والاجتماعية للطلبة.
وتوضح أن ذلك يتطلب إدخال برامج للتثقيف النفسي والصحي في المدارس، تتناول مخاطر المخدرات وتأثيراتها في الدماغ والسلوك والشخصية، إلى جانب تعليم الأطفال والمراهقين مهارات رفض ضغط الأقران واتخاذ القرارات بصورة مستقلة.
كما تدعو إلى تدريب المرشدين التربويين على ملاحظة التغيرات السلوكية والنفسية التي قد تشير إلى وجود مشكلة تعاطٍ لدى المراهقين، وتوفير قنوات آمنة وسرية تتيح للطلبة طلب المساعدة دون الخوف من العقوبة أو الوصمة الاجتماعية.
وفي ما يتعلق بالجامعات، تؤكد أهمية تنظيم حملات توعوية يشرف عليها مختصون في الطب النفسي وعلم النفس، وتوفير مراكز للإرشاد النفسي تقدم خدماتها للطلبة بسرية ومهنية، مع الاهتمام بمن يعانون الضغوط الأكاديمية والمشكلات الأسرية والاضطرابات النفسية، وتدريب الكوادر الجامعية على اكتشاف المؤشرات المبكرة للتعاطي وإحالة الحالات إلى الجهات المختصة.
المراكز الصحية ودورها في الكشف المبكر والعلاج
وعلى مستوى المؤسسات الصحية، توضح عيسى أن المراكز الصحية تمثل محطة أساسية للعائلات العراقية، ما يستدعي تدريب الكوادر الطبية والصحية على كيفية التعامل مع حالات التعاطي والإدمان، وتعزيز التوعية من خلال المنشورات والندوات والأنشطة التثقيفية.
وتدعو إلى وضع آلية واضحة للإحالة إلى مراكز علاج الإدمان، لضمان عدم ترك الشخص بعد اكتشاف المشكلة دون مسار علاجي محدد، مشددة على أن التعامل مع الحالات يجب أن يكون فردياً، إذ لا يعني تعاطي المخدرات بالضرورة وجود اضطراب نفسي لدى كل شخص، بل ينبغي تحديد طبيعة التدخل العلاجي وفق شدة التعاطي والاحتياجات النفسية والطبية والاجتماعية.
وتبين أن الهدف من الكشف المبكر ليس وصم الطالب أو المريض، وإنما الوصول إليه قبل تحول المشكلة إلى اضطراب أكثر تعقيداً، مؤكدة أن نجاح مكافحة المخدرات يتطلب شراكة حقيقية بين وزارة الداخلية والمؤسسات التربوية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب دعم أسر المتعاطين والحد من الوصمة الاجتماعية ومنع الانتكاس بعد العلاج.
من العقوبة إلى العلاج وإعادة التأهيل
وتشير عيسى إلى أن وزارة الداخلية تؤدي دوراً أساسياً في مكافحة تجارة المخدرات والحد من انتشارها، إلا أن ذلك ينبغي أن يترافق مع تعزيز دور المؤسسات الصحية في العلاج والتأهيل، والمؤسسات التربوية في الوقاية والتوعية، والإعلام في تصحيح المفاهيم المجتمعية وتسليط الضوء على مخاطر التعاطي.
وتؤكد أهمية تغيير النظرة المجتمعية تجاه الأشخاص الذين يعانون اضطرابات تعاطي المواد، موضحة أن المتعاطي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره إنساناً فقد قيمته الاجتماعية أو الأخلاقية، بل يجب منحه فرصة حقيقية للعلاج والعودة إلى المجتمع وممارسة حياته بصورة طبيعية.
وتلفت إلى أن أسر المتعاطين تعيش بدورها ضغوطاً نفسية واجتماعية كبيرة، تتراوح بين الخوف والقلق والشعور بالذنب والعجز، وقد تلجأ بعض العائلات إلى إخفاء المشكلة خشية كلام الناس والوصمة الاجتماعية.
ومن هنا، تدعو إلى إنشاء برامج للإرشاد والدعم النفسي لأسر المتعاطين، وتدريب أفرادها على كيفية التعامل مع المريض دون إفراط في اللوم أو العقاب، أو تقديم دعم غير مقصود لاستمرار التعاطي.
كما تشدد على أهمية إطلاق حملات إعلامية تقدم اضطراب تعاطي المخدرات باعتباره مشكلة صحية ونفسية واجتماعية تحتاج إلى العلاج، وليس مجرد قضية أخلاقية، فضلاً عن توفير برامج لإعادة التأهيل والاندماج المجتمعي تشمل التدريب المهني والتأهيل الوظيفي ومساعدة المتعافين على استعادة استقلاليتهم.
الانتكاس لا يعني نهاية طريق التعافي
وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد العلاج، تؤكد عيسى ضرورة إنشاء برامج متابعة طويلة الأمد، تتضمن جلسات العلاج النفسي ومجموعات الدعم والمتابعة الطبية والتدخل المبكر عند ظهور مؤشرات الانتكاس، إلى جانب بناء آليات للتنسيق بين المؤسسات المعنية لضمان استمرارية الرعاية وعدم انقطاع المريض عن الخدمات بعد خروجه من مراكز العلاج.
وتبين أن الانتكاس لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره فشلاً للعلاج، إذ قد يكون جزءاً من مسار التعافي لدى بعض المرضى، ويتطلب إعادة تقييم الخطة العلاجية وتعزيز الدعم والمتابعة، بدلاً من التخلي عن المريض أو تحميله مسؤولية الإخفاق.
وفي ختام حديثها، تؤكد عيسى أن المخدرات لا تستهدف صحة الإنسان الجسدية فحسب، بل تمتد آثارها إلى صحته النفسية وعلاقاته الأسرية ومستقبله الدراسي والمهني واستقرار المجتمع بأكمله، مشددة على ضرورة الانتقال من ثقافة العقوبة وحدها إلى ثقافة الوقاية والعلاج وإعادة التأهيل.
وتخلص إلى أن مواجهة الإدمان مسؤولية مشتركة تتطلب تكاتف المؤسسات الأمنية والصحية والتربوية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب بناء أسرة مستقرة توفر لأبنائها الدعم والاحتواء، مؤكدة أن التعافي لا ينتهي بخروج المريض من مركز العلاج، بل يبدأ معه مسار طويل يحتاج إلى متابعة ورعاية أسرية ومجتمعية مستمرة، لأن إنقاذ الإنسان من الإدمان لا يتحقق بمجرد إبعاده عن المخدرات، وإنما بمساعدته على استعادة حياته وبناء علاقته بنفسه وأسرته ومجتمعه.
أرقام الملاحقات لا تعكس العدد الحقيقي للمتعاطين
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تتواصل فيه الجهود الحكومية لمواجهة ملف المخدرات في العراق، وسط غياب رقم إحصائي منشور يمكن اعتماده لتحديد إجمالي عدد المتعاطين في البلاد.
وفي هذا الإطار، أعلنت المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، في حصيلة لنشاطاتها خلال عام 2026، أن عدد المحكومين بقضايا المخدرات والمؤثرات العقلية بلغ 4644 شخصاً، بينهم 69 محكوماً بالإعدام و267 حكماً بالسجن المؤبد.
كما أعلنت وزارة التخطيط إعداد تقرير عن واقع تعاطي المخدرات في العراق للمدة 2021–2024، صدر عام 2025، بهدف توفير قاعدة معرفية تدعم رسم السياسات والتدخلات المستندة إلى الأدلة.
إلا أن أعداد المحكومين في قضايا المخدرات لا تمثل إجمالي عدد المتعاطين، ولا يمكن اعتمادها مؤشراً دقيقاً لحجم الظاهرة، ما يجعل توفير إحصاءات وطنية شاملة ومحدثة عن أعداد المتعاطين من أبرز متطلبات وضع سياسات أكثر فاعلية لمواجهتها.







