حرية
لم تعد المخاوف من اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرتبطة بالشرق الأوسط وحده، إذ بدأت تظهر سيناريوهات أكثر خطورة تتحدث عن احتمال تداخل عدة أزمات دولية في وقت واحد، بما قد يدفع القوى الكبرى إلى مواجهة متزامنة على أكثر من جبهة.
وتحذر قراءة نشرتها مجلة «نيوزويك» الأميركية من سيناريو يشبه في بعض جوانبه أجواء ما قبل الحرب العالمية الأولى عام 1914، حين لم تكن القوى الكبرى تخطط بالضرورة لحرب عالمية شاملة، لكن سلسلة من القرارات والتحركات المنفصلة تداخلت تدريجياً، وحولت أزمات إقليمية إلى صراع دولي واسع.
وفي السيناريو المطروح، تبرز خمس بؤر توتر رئيسية هي الشرق الأوسط، وأوكرانيا، واليمن، ولبنان، وتايوان، مع احتمال تحول العراق إلى نقطة اشتباك إضافية بين واشنطن والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.
هرمز.. الشرارة الأولى
يمثل مضيق هرمز أخطر حلقات الأزمة الحالية، نظراً إلى موقعه في قلب تجارة الطاقة العالمية.
فاستمرار التوتر حول المضيق، بالتزامن مع تهديدات جماعة الحوثي للملاحة في باب المندب، يعني أن اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم قد يصبحان جزءاً من الصراع في وقت واحد.
ولا يحتاج الأمر إلى إغلاق المضيق بصورة كاملة حتى تظهر تداعيات عالمية؛ فمجرد ارتفاع المخاطر الأمنية يمكن أن يؤدي إلى زيادة أقساط التأمين، وارتفاع تكاليف النقل، وتحويل مسارات السفن، وتأخير شحنات النفط والغاز.
وهنا تتحول المعركة من مواجهة عسكرية بين واشنطن وطهران إلى أزمة اقتصادية عالمية، تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة والأسمدة والنقل والغذاء والتضخم.
العراق.. الحلقة التي قد تفجر مواجهة مباشرة
وسط هذه المعادلة، يبرز العراق بوصفه إحدى أكثر الجبهات حساسية.
فوجود القوات والمنشآت الأميركية داخل العراق، إلى جانب نشاط فصائل مسلحة مرتبطة بإيران، يجعل البلاد عرضة للتحول إلى ساحة مواجهة مباشرة إذا توسعت الحرب.
والخطر بالنسبة إلى بغداد لا يتمثل فقط في احتمال تعرض قواعد أو منشآت أميركية لهجمات، بل في إمكانية انتقال الرد الأميركي إلى مواقع داخل الأراضي العراقية، بما يضع الحكومة أمام اختبار بالغ الصعوبة يتعلق بسيادة الدولة ومنع استخدام أراضيها في الصراع الإقليمي.
وقد يؤدي تكرار الهجمات والردود إلى خلق دائرة تصعيد يصعب احتواؤها، خصوصاً إذا سقط قتلى أميركيون أو عراقيون بأعداد كبيرة.
ومن هنا، فإن العراق قد يتحول من دولة متأثرة بالحرب إلى إحدى حلقات انتشارها، إذا فشلت الحكومة في إبقاء الصراع بعيداً عن أراضيها.
اليمن ولبنان.. جبهتان مفتوحتان
لا تتوقف المخاطر عند هرمز والعراق.
فالحوثيون يمتلكون قدرة على تهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ما يمنح إيران وحلفاءها ورقة ضغط إضافية على الاقتصاد العالمي.
وفي لبنان، يمثل حزب الله جبهة أخرى يمكن أن تتفاعل مع أي تصعيد واسع ضد إيران، خصوصاً في حال اتجهت إسرائيل إلى توسيع عملياتها بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة.
وهكذا قد يجد الجيش الأميركي نفسه أمام شبكة من الجبهات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر وبلاد الشام، بدلاً من مواجهة عسكرية محصورة مع إيران.
روسيا.. فرصة في أوكرانيا
السيناريو الأكثر خطورة يبدأ عندما تنظر موسكو إلى انشغال واشنطن في الشرق الأوسط باعتباره فرصة استراتيجية.
فإذا اضطرت الولايات المتحدة إلى نقل جزء من قدراتها الدفاعية والصاروخية واللوجستية نحو المنطقة، فقد تجد روسيا نفسها أمام فرصة لتعزيز الضغط على أوكرانيا أو اختبار قدرة حلف الناتو على التعامل مع أزمتين متزامنتين.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن موسكو ستتخذ قراراً فورياً بفتح جبهة جديدة، لكن مجرد احتمال انشغال الولايات المتحدة بجبهة الشرق الأوسط قد يدخل في الحسابات الروسية المتعلقة بأوكرانيا وأمن الجناح الشرقي للناتو.
وهنا تظهر أخطر فكرة في السيناريو كله: كلما توسعت حرب في منطقة، ازدادت مساحة المناورة أمام خصوم واشنطن في مناطق أخرى.
الصين وتايوان.. الجبهة التي يخشاها العالم
أما الجبهة الأكثر حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة فهي تايوان.
ففي حال أصبحت واشنطن مستنزفة عسكرياً وسياسياً في الشرق الأوسط وأوروبا، قد ترى بكين أن ميزان الفرص أصبح أكثر ملاءمة لزيادة الضغط على تايوان.
وقد لا تبدأ الصين بغزو مباشر، بل بإجراءات تدريجية تشمل حصاراً بحرياً، ومناورات عسكرية واسعة، وضغوطاً اقتصادية وسيبرانية، بهدف اختبار رد الفعل الأميركي.
وهنا ستجد واشنطن نفسها أمام معضلة استراتيجية غير مسبوقة: كيف تحافظ على التزاماتها تجاه أوروبا والشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تمنع تغيير الوضع القائم في شرق آسيا بالقوة؟
محور مضاد لواشنطن
كل ذلك يفتح الباب أمام احتمال تشكل تعاون غير مباشر بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.
ولا يشترط هذا التعاون تشكيل تحالف عسكري معلن؛ فقد يكون أكثر فاعلية من خلال تبادل المعلومات الاستخبارية، والطائرات المسيّرة، والتقنيات العسكرية، والمعدات الإلكترونية، والقدرات السيبرانية، والدعم الاقتصادي والدبلوماسي.
وتملك الصين، على وجه الخصوص، أدوات ضغط لا تحتاج معها إلى إرسال جنود إلى ساحات القتال، إذ يمكنها مساعدة إيران تقنياً واقتصادياً، بالتزامن مع استخدام نفوذها الدبلوماسي لمنع توسيع الشرعية الدولية لأي عملية عسكرية ضد طهران.
أما روسيا، فقد تستفيد من الأزمة لتوسيع تعاونها العسكري والاستخباري مع إيران، في حين يمكن لكوريا الشمالية أن تدخل بصورة غير مباشرة عبر الصواريخ والذخائر والتقنيات العسكرية.
الحرب العالمية الثالثة قد لا تبدأ بإعلان حرب
أخطر ما في هذا السيناريو أنه لا يفترض أن تتخذ القوى الكبرى قراراً جماعياً ببدء حرب عالمية.
على العكس، قد تبدأ القصة بسلسلة من الأزمات المنفصلة: هجوم على منشأة أميركية في العراق، ورد عسكري داخل الأراضي العراقية، ثم توسع القتال في لبنان، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، وأزمة جديدة في هرمز، بالتزامن مع هجوم روسي واسع في أوكرانيا أو تصعيد صيني حول تايوان.
ومع كل أزمة، تضطر القوى الكبرى إلى تحريك قواتها ومواردها، فتتداخل الحسابات وتصبح إمكانية التراجع أكثر صعوبة.
وقد لا تقتصر المواجهة عندها على الصواريخ والطائرات؛ فالهجمات السيبرانية قد تستهدف المصارف والموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات، فيما تتوسع حرب المعلومات والتجسس والتخريب والتأثير السياسي.
العراق بين الحياد والاستدراج
بالنسبة إلى العراق، فإن أخطر ما في هذا السيناريو هو موقعه الجغرافي والسياسي.
فالعراق يقع بين إيران ودول الخليج، ويستضيف قوات ومنشآت مرتبطة بالولايات المتحدة، بينما يمتلك حدوداً ومصالح متشابكة مع دول تشهد صراعات مباشرة أو غير مباشرة.
ولهذا فإن سياسة بغداد في المرحلة المقبلة لن تكون مجرد موقف دبلوماسي من الحرب، بل ستصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني.
فكلما نجحت الحكومة العراقية في منع استخدام الأراضي والأجواء والمياه العراقية لشن هجمات على دول أخرى، قل احتمال تحول البلاد إلى ساحة ردود متبادلة.
أما إذا أصبحت بغداد عاجزة عن ضبط مسارات التصعيد، فقد تجد نفسها أمام حرب لم تبدأها، لكنها ستكون من أول المتضررين منها.
الخطر الحقيقي هو تزامن الأزمات
لا يعني هذا السيناريو أن العالم يتجه حتماً إلى حرب عالمية ثالثة، لكنه يكشف عن حقيقة أكثر أهمية: النظام الدولي أصبح أكثر هشاشة أمام تزامن الأزمات.
فالشرق الأوسط، وأوكرانيا، وتايوان، والبحر الأحمر، والخليج، ليست أزمات منفصلة تماماً؛ إنها ملفات ترتبط بالمصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية للقوى الكبرى.
وإذا اشتعلت أكثر من جبهة في الوقت نفسه، فقد تصبح قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على إدارة التصعيد محدودة، بينما تزداد فرص خصومهم في استغلال نقاط الضعف.
لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستندلع حرب عالمية؟
بل أصبح السؤال الأكثر واقعية: هل تستطيع القوى الكبرى إبقاء حروبها الحالية منفصلة، أم أن تداخل الجبهات سيحوّل أزمات متفرقة إلى صراع دولي واحد؟







