حرية
أعاد رحيل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق ألان غرينسبان عن عمر ناهز 100 عام فتح النقاش حول حدود سلطة رؤساء البنوك المركزية، والدور الحقيقي للأفراد في توجيه الاقتصادات الكبرى، في وقت يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضغط من أجل سياسات نقدية أكثر انسجاماً مع رؤيته الاقتصادية.
وبحسب تحليل نشرته مجلة “نيوزويك”، فإن إرث غرينسبان يحمل رسالة سياسية واقتصادية مهمة مفادها أن تغيير الشخص الجالس على رأس الاحتياطي الفيدرالي لا يعني بالضرورة تغيير مسار الاقتصاد أو قواعده المعقدة.
من “المايسترو” إلى الاعتراف بالخطأ
طوال نحو عقدين من قيادته للاحتياطي الفيدرالي بين عامي 1987 و2006، تمتع غرينسبان بصورة استثنائية باعتباره “مايسترو” السياسة النقدية الأميركية، إذ ارتبط اسمه بفترات نمو اقتصادي طويل واستقرار مالي نسبي.
لكن الأزمة المالية العالمية عام 2008 كشفت هشاشة كثير من الافتراضات التي استندت إليها السياسات النقدية والرقابية في تلك الحقبة، ما دفع غرينسبان نفسه إلى الاعتراف أمام الكونغرس بوجود “خلل في النموذج” الفكري الذي اعتمد عليه لفهم الأسواق.
هذا الاعتراف المتأخر شكّل نقطة تحول في تقييم إرثه، إذ بيّن أن الاستقرار الظاهري قد يخفي مخاطر مالية متراكمة لا تظهر إلا عند وقوع الأزمات.
ترامب وفكرة “الرجل المنقذ”
ترى المجلة أن ترامب أعاد إحياء فكرة أن شخصاً واحداً يمكنه تغيير أداء الاقتصاد الأميركي من خلال السيطرة على البنك المركزي، وهو ما ظهر في انتقاداته المتكررة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول ودعمه لتعيين كيفين وارش.
غير أن الواقع المؤسسي للاحتياطي الفيدرالي أكثر تعقيداً من ذلك، إذ تُتخذ القرارات النقدية عبر لجنة تضم عدداً من الأعضاء والخبراء، وتخضع لمؤشرات اقتصادية متعددة تشمل التضخم وسوق العمل والنمو الاقتصادي والتطورات العالمية.
قوة المؤسسات أم عبقرية الأفراد؟
الدرس الأبرز الذي يقدمه إرث غرينسبان، وفق التحليل، هو أن الاقتصادات الحديثة لا تُدار بقدرات فردية مهما بلغت خبرة أصحابها، بل تعتمد على قوة المؤسسات وآليات اتخاذ القرار الجماعي.
فالرجل الذي اعتُبر لسنوات قادراً على “قراءة المستقبل الاقتصادي” انتهى به الأمر إلى الاعتراف بأن الأسواق أكثر تعقيداً من أن تُدار عبر رؤية فرد واحد أو نموذج نظري واحد.
الرسالة المتأخرة
بعد رحيله، تبدو الرسالة التي يتركها غرينسبان واضحة: نجاح السياسة النقدية لا يعتمد على اسم رئيس الاحتياطي الفيدرالي بقدر ما يعتمد على استقلالية المؤسسة وقدرتها على اتخاذ قرارات جماعية تستند إلى المعطيات الاقتصادية لا إلى الرغبات السياسية.
وبذلك فإن الدرس الذي يستخلصه كثير من الاقتصاديين من تجربة غرينسبان هو أن الاقتصاد لا يتغير بتغيير الأشخاص فقط، بل بقوة المؤسسات التي تدير قواعد اللعبة الاقتصادية وتحافظ على توازنها مهما تغيرت الإدارات والرؤساء.







