حرية | إعداد: قسم الاخبار
في مشهد يعكس تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية، دخل العراق مرحلة غير مسبوقة من القيود الجوية، بعد أن أعلنت سلطة الطيران المدني إغلاق الأجواء العراقية بالكامل ابتداءً من 28 شباط/فبراير 2026 ولغاية 10 نيسان/أبريل 2026، في قرار يستند إلى تقييمات أمنية دقيقة تشير إلى ارتفاع مستوى المخاطر الجوية الناتجة عن تصاعد نشاط الصواريخ والطائرات المسيّرة في المنطقة.
هذا الإغلاق، الذي يبدو في ظاهره إجراءً احترازيًا، يكشف في عمقه عن تحول العراق إلى جزء من ممر جوي حساس يتقاطع مع مسارات الصراع الإقليمي، حيث لم تعد الأجواء العراقية مجرد فضاء سيادي، بل باتت ساحة عبور محتملة لأجسام جوية بعيدة المدى، سواء كانت صواريخ باليستية أو مسيّرات تكتيكية منخفضة الارتفاع، الأمر الذي يفرض تهديدًا مباشرًا وغير مباشر على سلامة الطيران المدني.
البيئة الجوية الحالية تتسم بدرجة عالية من التعقيد، إذ لم يعد الخطر مقتصرًا على احتمالية استهداف المطارات، بل يمتد ليشمل عبور الصواريخ فوق خطوط الملاحة الجوية، وسقوط الحطام الناتج عن عمليات الاعتراض، فضلًا عن النشاط المتزايد للمسيّرات التي يصعب رصدها في الوقت المناسب، خاصة خلال مراحل الإقلاع والهبوط. هذه العوامل مجتمعة تجعل من أي تشغيل مدني للأجواء العراقية مخاطرة تشغيلية غير محسوبة، حتى في حال اقتصار الرحلات على ساعات النهار.
وفي هذا السياق، تُظهر القراءة التحليلية لتوزيع المخاطر على المطارات العراقية تباينًا نسبيًا في مستوى التهديد، دون أن يعني ذلك وجود مطار خارج دائرة الخطر. فمطار بغداد الدولي، بوصفه العقدة الجوية والسيادية الأهم، يسجل أعلى نسبة خطورة تقديرية تصل إلى 85%، نتيجة موقعه في قلب المجال الجوي المركزي وارتباطه ببيئة أمنية شديدة الحساسية. ويليه مطار البصرة بنسبة 78%، نظرًا لقربه من الخليج وتأثره المباشر بمسارات التوتر الإقليمي، فيما يأتي مطار كركوك بنسبة 75%، في ظل موقعه ضمن منطقة أمنية مركبة تشهد تداخلًا بين التهديدات الأرضية والجوية.
أما مطارا السليمانية وأربيل، فيسجلان نسب خطورة تبلغ 72% و70% على التوالي، نتيجة تأثرهما بالنشاط المسيّر في شمال العراق، وهو نشاط يتسم بالطبيعة التكتيكية منخفضة الارتفاع، ما يزيد من خطورته على الطيران المدني. في حين ينخفض مستوى الخطر نسبيًا في مطار النجف إلى 68%، كونه بعيدًا عن بؤر التوتر المباشر، لكنه لا يزال ضمن نطاق المسارات الجوية المركزية، بينما يسجل مطار الموصل أدنى نسبة خطورة تقديرية تبلغ 60%، دون أن يعني ذلك إمكانية تشغيله في الظروف الحالية.
ورغم الطروحات التي تشير إلى إمكانية إعادة فتح المطارات خلال ساعات الصباح لتقليل المخاطر، إلا أن التقييم الأمني يؤكد أن التهديدات الجوية الراهنة لا ترتبط بزمن محدد، بل تعتمد على طبيعة الإطلاق ومسارات العبور، ما يجعل من التوقيت عاملًا ثانويًا أمام خطورة البيئة الجوية نفسها. فالصواريخ والمسيّرات لا تلتزم بنمط زمني، وقد تفرض إغلاقًا مفاجئًا للأجواء خلال دقائق، الأمر الذي يعقّد إدارة الحركة الجوية ويهدد سلامة الطائرات المدنية في الجو.
وفي تطور لافت، نشر رئيس سلطة الطيران المدني، بنكين ريكاني، توضيحًا مهمًا للرأي العام بشأن تأخر إعادة فتح الأجواء، أكد فيه أن سلطة الطيران المدني، وبالتنسيق مع وزارة النقل وقيادة العمليات المشتركة والدفاع الجوي، تجري تقييمات يومية مستمرة لواقع الأجواء العراقية، مع دراسة إمكانية افتتاح مطار أو أكثر ولو بشكل جزئي.
وأشار ريكاني إلى أن كثافة وعشوائية العمليات الحربية من عدة اتجاهات وارتفاعات وتوقيتات تمثل عائقًا حقيقيًا أمام اتخاذ قرار الفتح، موضحًا أن أي خطوة لا تنسجم مع معايير السلامة الدولية قد تعرّض حياة المسافرين للخطر، وهو أمر غير مقبول تحت أي ظرف.
وأضاف أن المقارنة بين الأجواء العراقية وأجواء دول أخرى في المنطقة غير دقيقة، نظرًا لاختلاف المعطيات الأمنية والفنية، دون الخوض في تفاصيل تلك الفروقات، مؤكدًا في الوقت ذاته أن عمليات التقييم والمراقبة مستمرة على مدار الساعة، وأنه في اللحظة التي تتوافر فيها أدنى متطلبات السلامة سيتم فتح الأجواء، بهدف التخفيف من معاناة المواطنين.
واختتم تصريحه بالدعاء: “اللهم احفظ بلدنا وشعبنا من كل سوء”.
https://web.facebook.com/share/p/1GoURXwVZj
اقتصاديًا، لا يمر هذا الإغلاق دون كلفة، إذ تشير التقديرات إلى أن العراق يتكبد خسائر لا تقل عن 100 مليون دولار شهريًا، نتيجة توقف حركة الطيران وفقدان رسوم عبور الطائرات، فضلًا عن تراجع النشاط السياحي، خصوصًا السياحة الدينية، وتعطل خدمات المطارات والشركات المرتبطة بقطاع النقل الجوي.
قانونيًا، يستند قرار الإغلاق إلى منظومة دولية راسخة، أبرزها اتفاقية شيكاغو لعام 1944 التي تمنح الدول الحق في إغلاق أجوائها لحماية سلامة الطيران، إلى جانب معايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) التي تلزم الدول بتقييم المخاطر بشكل مستمر واتخاذ الإجراءات المناسبة، بما في ذلك الإغلاق الكامل أو الجزئي للمجال الجوي في مناطق النزاع.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى إغلاق الأجواء العراقية بوصفه قرارًا مؤقتًا أو معزولًا، بل هو انعكاس مباشر لتحولات استراتيجية في البيئة الأمنية الإقليمية، حيث باتت السماء العراقية جزءًا من معادلة الصراع، لا مجرد فضاء عبور. وبينما تبقى الكلفة الاقتصادية مرتفعة، فإن الحفاظ على سلامة الطيران المدني يظل أولوية لا يمكن المجازفة بها، في انتظار تغير المعطيات الأمنية وعودة التوازن إلى المجال الجوي للبلاد.







