حرية
في خطوة تعكس حجم الضغوط التي باتت تواجه صادرات النفط العراقية بفعل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، طرحت شركة تسويق النفط العراقية «سومو»، يوم الخميس، عطاءً جديداً لبيع شحنات من خام البصرة مخصصة للتحميل خلال أيلول المقبل، على أن تتم عمليات التحميل من خارج مضيق هرمز.
وبحسب وثيقة صادرة عن الشركة ومصادر تجارية، فإن العطاء يتضمن إمكانية تحميل الشحنات عبر عمليات نقل النفط من ناقلة إلى أخرى بالقرب من الساحل العُماني، بما يسمح بتجاوز المرور التقليدي عبر المضيق، على أن يُغلق العطاء في 28 آب الجاري.
وتأتي هذه الخطوة بعد عطاء سابق طرحته «سومو» يوم الاثنين لشحنات يجري تحميلها من محطة النفط في البصرة، وهو ما كان يتطلب من المشترين استخدام ناقلات تمر عبر مضيق هرمز، قبل أن يُغلق العطاء يوم الأربعاء.
لماذا تتحرك سومو خارج المضيق؟
لا تبدو الخطوة مجرد إجراء تجاري اعتيادي، بل تعكس محاولة عراقية لتقليل المخاطر المرتبطة بأحد أهم الممرات البحرية العالمية، في وقت أصبحت فيه حركة ناقلات النفط عبر المضيق عرضة للتأخير والتهديدات والتوترات العسكرية.
فالنفط العراقي، وخصوصاً خام البصرة، يعتمد بصورة كبيرة على طرق التصدير البحرية، وأي تعطيل طويل للملاحة يمكن أن يتحول من مشكلة لوجستية إلى ضغط مباشر على الإيرادات النفطية التي تمثل العمود الفقري لمالية الدولة.
ومن هنا، فإن اعتماد التحميل من خارج هرمز يمكن قراءته باعتباره خطة احتياطية لتقليل تعرض الصادرات العراقية للمخاطر الجيوسياسية، حتى وإن كانت هذه الآلية أكثر تعقيداً وكلفة من مسار التصدير التقليدي.
ساحل عُمان يتحول إلى نقطة عبور بديلة
اختيار المنطقة القريبة من الساحل العُماني يحمل أهمية خاصة، نظراً إلى أن عمليات النقل من ناقلة إلى أخرى تسمح بإعادة ترتيب مسار الشحن بعد وصول النفط إلى منطقة خارج نطاق الاختناق الملاحي داخل المضيق.
لكن هذا الخيار لا يعني أن العراق أصبح بمنأى عن أزمة هرمز؛ فعملية نقل النفط بين الناقلات تحتاج إلى ترتيبات بحرية وتأمينية ولوجستية دقيقة، كما أن أي تصعيد أوسع في الخليج قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤثر في قدرة المشترين على استقبال الشحنات.
إيران والعراق.. قناة تفاوض لحماية الصادرات
ويأتي تحرك «سومو» بالتزامن مع معلومات سابقة أفادت بأن إيران منحت تصاريح لعدد من ناقلات النفط العراقية للمرور عبر مضيق هرمز، استجابة لطلبات تقدمت بها بغداد عبر قنوات مختلفة.
وهذا التطور يكشف أن العراق يحاول التعامل مع الأزمة عبر مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي لضمان استمرار مرور ناقلاته عبر المضيق، والثاني تجاري ولوجستي لتوفير بدائل في حال استمرار اضطراب الملاحة.
الاختبار الحقيقي هو استمرار تدفق الإيرادات
المشكلة بالنسبة للعراق لا تتعلق فقط بإمكانية تصدير النفط، وإنما بقدرة الدولة على ضمان استمرار التدفقات المالية في ظل أي إغلاق أو قيود طويلة الأمد على الملاحة.
فكلما طال اضطراب هرمز، ارتفعت كلفة النقل والتأمين، وزادت الحاجة إلى مسارات بديلة، فيما قد يضطر المشترون إلى طلب خصومات تعويضاً عن المخاطر الإضافية.
والرسالة الأبرز من عطاء «سومو» الجديد هي أن العراق بدأ يتعامل مع أزمة مضيق هرمز باعتبارها خطراً اقتصادياً مباشراً، وليس مجرد أزمة أمنية إقليمية. وإذا استمرت الاضطرابات، فقد تتحول عمليات التحميل خارج المضيق من خيار احتياطي مؤقت إلى جزء من استراتيجية عراقية أوسع لحماية صادرات النفط وتقليل اعتمادها على ممر بحري واحد.







