حرية – 8/9/2026
لم تعد العلاقات العامة في العالم الحديث مجرد نشاط يقتصر على إصدار البيانات الصحفية وتنظيم المؤتمرات واستقبال الضيوف بل تحولت إلى صناعة متكاملة تعمل في المساحة الفاصلة بين الإعلام والاقتصاد والسياسة وصناعة القرار وإدارة السمعة والأزمات وبناء العلاقات مع الحكومات والمؤسسات وأصحاب المصالح.
اما العراق تتداخل السياسة بالاقتصاد والإعلام وتتشابك المصالح المحلية مع الحضور الإقليمي والدولي و تبدو الحاجة إلى هذا النوع من الشركات أكثر وضوحاً خصوصاً مع توسع حركة الاستثمار ودخول الشركات الأجنبية وتنامي أهمية الصورة العامة للمؤسسات والشخصيات والدولة نفسها.
وتكشف تجارب الشركات العالمية أن العلاقات العامة تجاوزت منذ سنوات مفهوم ((التغطية الإعلامية)) فشركة Edelman الأمريكية وهي واحدة من أبرز شركات الاتصال الاستراتيجي عالمياً تعرف مجال عملها من خلال بناء الثقة والسمعة ومساعدة المؤسسات على التعامل مع أصحاب المصلحة وتضم خدماتها العلاقات الحكومية والشؤون العامة وإدارة الأزمات والمخاطر والاتصال الرقمي والعلاقات الإعلامية والسمعة المؤسسية وتقول الشركة إن لديها نحو ستة آلاف موظف موزعين على أكثر من ستين مكتباً حول العالم.
أما APCO Worldwide التي تأسست في الولايات المتحدة فتمثل نموذجاً أكثر اقتراباً من مفهوم الاستشارات الاستراتيجية والشؤون العامة حيث تجمع في عملها بين الاتصال والعلاقات الحكومية وإدارة السمعة والتحليل الجيوسياسي وإدارة المخاطر والأزمات وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعمل APCO مع الحكومات والهيئات التنظيمية والمؤسسات السيادية والشركات العالمية ولديها حضور في مدن عربية بينها أبوظبي ودبي والرياض وعمّان والدوحة والمنامة.
هذه التجارب تعكس تغيراً أساسياً في الصناعة، شركة العلاقات العامة لم تعد جهة تنقل رسالة المؤسسة فقط، وإنما أصبحت جزءاً من عملية تحديد الرسالة والجمهور والهدف وطريقة الوصول إلى أصحاب القرار.
العراق سوق يحتاج إلى صناعة علاقات محترفة و تبدو البيئة مناسبة لنمو هذا القطاع، لكنها في الوقت نفسه شديدة التعقيد.
فالبلاد تستقبل شركات واستثمارات ومؤسسات دولية تحتاج إلى فهم البيئة العراقية قبل دخولها وفي المقابل توجد شركات ورجال أعمال ومؤسسات عراقية تبحث عن الوصول إلى الأسواق والعواصم ومراكز الأعمال والقرار خارج البلاد.
وهنا تظهر فجوة لا يستطيع الإعلام وحده سدها فالشركة الأجنبية التي تدخل العراق لا تحتاج فقط إلى إعلان أو مؤتمر صحفي بل تحتاج إلى فهم المؤسسات الحكومية والتشريعات والسوق والرأي العام والإعلام والشركاء المحتملين والمخاطر التي يمكن أن تواجه سمعتها أو أعمالها.
وبالمقابل فإن المؤسسة العراقية التي تريد بناء حضور في واشنطن أو لندن أو الرياض أو أبوظبي أو عمّان أو أنقرة تحتاج إلى شبكة مختلفة من الخبرات والعلاقات والاتصال المؤسسي والقانوني والإعلامي من هنا يمكن النظر إلى العلاقات العامة الحديثة باعتبارها جزءاً من البنية التحتية غير المرئية للاقتصاد والاستثمار والعلاقات الدولية.
شركة العمق ومحاولة بناء نموذج عراقي
وسط هذا التحول تعمل شركة العمق للعلاقات العامة والخدمات الإدارية والتدريب والتطوير على تقديم نموذج عراقي يقوم على توسيع مفهوم العلاقات العامة من النشاط الإعلامي التقليدي إلى الاتصال الاستراتيجي وبناء العلاقات وإدارة الملفات.
وتتبنى الشركة تصوراً يقوم على أن العلاقات العامة الفاعلة تبدأ قبل ظهور المؤسسة في وسائل الإعلام من خلال دراسة البيئة وتحديد أصحاب المصلحة وبناء شبكة العلاقات ووضع استراتيجية الاتصال ثم الانتقال إلى إدارة السمعة والإعلام والأزمات والعلاقات المؤسسية والحكومية والدولية.
كما تسعى ((العمق)) إلى الربط بين الخبرة العراقية والخبرات الدولية بحيث تستطيع تقديم خدمات للمؤسسات والشركات والشخصيات داخل العراق وفي الوقت ذاته مساعدة الجهات العراقية الراغبة في بناء علاقات وحضور خارجي.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة في السوق العراقية لأن المؤسسة المحلية تحتاج في كثير من الأحيان إلى من يفهم تفاصيل البيئة العراقية بينما تحتاج في تحركها الدولي إلى خبرات وشبكات قادرة على العمل وفق المعايير المهنية المتبعة في الأسواق الخارجية.
من بغداد إلى واشنطن والعواصم العربية
الفكرة التي تعمل عليها شركات الاتصال الاستراتيجي الكبرى تقوم أساساً على الجمع بين المعرفة المحلية والامتداد الدولي فنجاح أي شركة علاقات عامة في بغداد لا يقاس بعدد الأخبار التي تستطيع نشرها فقط وإنما بقدرتها على فهم العراق أولاً ثم تقديم هذا الفهم بصورة احترافية إلى الخارج وفي الاتجاه المعاكس مساعدة المؤسسات الدولية على قراءة المشهد العراقي والتعامل معه.
وتسعى ((العمق)) إلى الاستفادة من هذا النموذج عبر بناء شبكة تعاون وخبرات داخل العراق وخارجه، بما يسمح لها بالعمل في ملفات العلاقات العامة والاستشارات والتدريب والتطوير والعلاقات الدولية وإدارة الاتصال والملفات المؤسسية.
وهو نموذج قريب من حيث فلسفة العمل وليس من حيث الحجم أو سنوات الخبرة من الطريقة التي بنت بها الشركات العالمية الكبرى شبكاتها مكتب أو معرفة محلية مرتبطة بقدرة إقليمية ودولية أوسع.
وتبرز أهمية شركات العلاقات العامة العربية انها تستطيع الانتقال من تقديم الخدمات الإعلامية التقليدية إلى العمل بوصفها مستشاراً للشركات والمؤسسات في إدارة الاتصال والسمعة ودخول الأسواق.
العلاقات العامة هي القوة الناعمة لكن الجانب الأوسع من القضية يتعلق بالدولة نفسها فالدول الحديثة تنفق موارد كبيرة على الاتصال الاستراتيجي والدبلوماسية العامة والترويج للاستثمار والسياحة وإدارة السمعة الوطنية والتواصل مع مراكز القرار والرأي العام العالمي.
والعراق يمتلك عناصر قوة كبيرة من الموقع الجغرافي والثروات والطاقة والتاريخ والثقل السياسي والسوق الواسعة إلا أن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة القدرة على تقديمها إلى العالم بالصورة الصحيحة وهنا تستطيع شركات العلاقات العامة والاتصال الاستراتيجي العراقية أن تؤدي مستقبلاً دوراً يتجاوز خدمة الشركات الخاصة إلى المساهمة في الترويج للاستثمار والمؤتمرات والمشروعات الوطنية وإدارة الحملات الدولية وبناء جسور بين المؤسسات العراقية ونظيراتها الخارجية.
وتظهر التجارب العالمية مدى اتساع هذا التخصص فعلى سبيل المثال، تقول Edelman إن خدمات الشؤون العامة والحكومية لديها تشمل التعامل مع صناع السياسات والجهات التنظيمية وأصحاب المصلحة والتحليل السياسي والتنظيمي والعلاقات الحكومية والاتصال الاستراتيجي.
فإن بناء صناعة علاقات عامة عراقية محترفة لم يعد ترفاً فكلما انفتح العراق اقتصادياً وسياسياً على العالم ازدادت الحاجة إلى شركات تستطيع التحدث بلغتين في الوقت نفسه لغة العراق أمام العالم ولغة العالم داخل العراق ومن هنا يمكن قراءة تجربة شركة العمق بوصفها محاولة لتأسيس نموذج عراقي يسعى إلى الانتقال بالعلاقات العامة من مفهوم النشاط الإعلامي إلى مفهوم أوسع يقوم على الاستشارة وإدارة الاتصال وبناء العلاقات والتدريب والامتداد الخارجي ولا يمكن مقارنة شركة عراقية ناشئة من حيث الحجم بشركات عالمية تمتلك عقوداً من الخبرة وآلاف الموظفين لكن القيمة الحقيقية لأي تجربة عراقية تكمن في قدرتها على استيعاب النموذج العالمي وتكييفه مع خصوصية البيئة المحلية والسعي نحو العالمية والمنافسة على من يمتلك المعلومة والتحليل والعلاقة والثقة والقدرة على الوصول إلى الجمهور وصانع القرار وإدارة الأزمات وحماية السمعة.
وفي بلد بحجم العراق وموقعه وثقله الاقتصادي والسياس، يمكن لصناعة العلاقات العامة والاتصال الاستراتيجي أن تتحول خلال السنوات المقبلة إلى قطاع مؤثر بحد ذاته، وإلى إحدى الأدوات التي تساعد المؤسسات العراقية على الانتقال من الحضور المحلي إلى التأثير الإقليمي والدولي.







