حرية
لم يعد موعد انتهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مرتبطاً فقط بموازين القوة العسكرية أو بنتائج المعارك والضغوط الاقتصادية، بل بات مرهوناً أيضاً بالصراع المحتدم داخل دوائر السلطة في طهران بين تيار يدفع نحو تسوية سريعة وآخر يراهن على الصمود واستنزاف واشنطن.
وبحسب تحليل لشبكة «سي إن إن» الأميركية، فإن جانباً من القيادة الإيرانية ينظر إلى الحرب الحالية بوصفها صراعاً طويل الأمد تحكمه قدرة الأطراف على التحمل، في استحضار لتجربة الحرب العراقية الإيرانية خلال ثمانينيات القرن الماضي، التي تحولت إلى واحدة من أطول حروب الاستنزاف في المنطقة.
ويرى هذا المعسكر أن نتيجة المواجهة لن يحسمها الطرف الأقوى عسكرياً بالضرورة، وإنما الطرف الأكثر قدرة على الصمود وتحمل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية.
في المقابل، يعتقد تيار أكثر براغماتية داخل إيران أن استمرار الحرب يهدد بتفاقم الأزمات الداخلية، وأن الفرصة لا تزال قائمة لترجمة ما تعتبره طهران «مكاسب» تحققت خلال المواجهة إلى اتفاق سياسي يخفف الضغوط عن البلاد.
تيار التسوية.. إنهاء الحرب قبل فوات الأوان
يقود هذا التوجه، بحسب التحليل، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وهم يدفعون باتجاه التوصل إلى اتفاق حاسم مع واشنطن.
ويستند أنصار التسوية إلى واقع اقتصادي تضرر من الحرب، وضغوط متزايدة على حركة التجارة والطاقة، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتنامي الأعباء المعيشية.
وحذر هذا التيار من أن نافذة التسوية قد لا تبقى مفتوحة طويلاً، وأن استمرار الصراع قد يضاعف كلفة أي اتفاق محتمل مستقبلاً.
وكان بزشكيان قد عبّر عن هذا التوجه بقوله إن الحروب لا بد أن تنتهي في مرحلة ما، وإن إنهاءها مبكراً قد يكون أفضل من ترك كلفتها تتراكم.
ويرى البراغماتيون أن التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة يمكن أن يخفف العزلة والضغوط الاقتصادية، ويفتح المجال أمام معالجة الأزمات الداخلية من دون تقديم الأمر بوصفه استسلاماً، بل باعتباره تسوية تحافظ على مصالح إيران الأساسية.
المتشددون.. الرهان على إنهاك واشنطن
على الجانب الآخر، يقف التيار المحافظ المتشدد الذي ينطلق من قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها، وأن أي اتفاق معها قد يتحول إلى هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من الضغوط أو المواجهة.
ويستند هذا التيار إلى تجارب سابقة، أبرزها الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015 ثم انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته السابقة، فضلاً عن تجارب التفاوض التي تزامنت، وفق رؤيتهم، مع استمرار التهديدات والضغوط العسكرية.
وتقول مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد «تشاثام هاوس»، سانام وكيل، إن المتشددين لا ينظرون إلى الصراع مع واشنطن باعتباره مجرد مواجهة خارجية، بل كجزء من منافسة داخلية طويلة الأمد مع خصومهم السياسيين.
وبحسب هذا المنطق، فإن التوصل إلى اتفاق واسع قد لا يكون هدفاً بحد ذاته، لأن بعض المتشددين يراهنون على عامل الزمن وقدرة إيران على استنزاف خصمها وتحمل الضغوط لفترة أطول.
ويرى هؤلاء أن منظومة الصواريخ والطائرات المسيرة والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين وسياسة الردع غير المباشر وفرت لإيران حماية أكبر من الوعود الدبلوماسية التي يمكن أن تتغير بتغير الإدارات والسياسات الأميركية.
خلاف يتجاوز السياسة الخارجية
وصلت الانقسامات، وفق التحليل، إلى تبادل الاتهامات بشأن إدارة الأزمة الاقتصادية، إذ يتهم بعض المتشددين الحكومة بالمبالغة في عرض حجم الضغوط الداخلية من أجل دفع الرأي العام إلى تقبل اتفاق مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، يرى التيار الداعي إلى التسوية أن تجاهل الواقع الاقتصادي والاجتماعي قد يقود إلى أزمة أكبر، خصوصاً إذا استمرت الحرب والعقوبات والقيود المفروضة على حركة التجارة والطاقة.
وهنا يتحول الملف من خلاف حول السياسة الخارجية إلى صراع أوسع يتعلق بشكل النظام الاقتصادي والسياسي في مرحلة ما بعد الحرب، والجهة التي ستخرج أكثر نفوذاً من أي تسوية محتملة.
تناقضات ترمب تعزز موقف المتشددين
تواجه الحسابات الإيرانية أيضاً مشكلة تتمثل في عدم القدرة على التنبؤ بمسار السياسة الأميركية في ظل إدارة ترمب، وهو ما يمنح المتشددين داخل طهران حجة إضافية لرفض تقديم تنازلات كبيرة مقابل ضمانات يرون أنها قد لا تكون ثابتة.
فأي اتفاق جديد يحتاج، من وجهة النظر الإيرانية، إلى ضمانات بشأن تنفيذه واستمراريته، بينما يرى المتشددون أن التجارب السابقة أثبتت أن الاتفاقات السياسية يمكن أن تنهار بتغير القرار في واشنطن.
وفي المقابل، يدرك البراغماتيون أن انتظار تغير الموقف الأميركي قد يعني استمرار الحرب والضغوط، وربما فقدان فرصة تفاوضية قد لا تتكرر بالشروط نفسها.
تكشف الانقسامات داخل طهران أن قرار إنهاء الحرب لا يتعلق فقط بما ستطلبه واشنطن وما ستقبله إيران، بل أيضاً بمن سيخرج منتصراً من الصراع داخل مراكز القوة الإيرانية.
فالتيار البراغماتي يريد استخدام التسوية لتخفيف الضغط الاقتصادي وإعادة ترتيب علاقة إيران بالعالم، بينما يخشى المتشددون أن يؤدي الاتفاق إلى تقليص نفوذ المؤسسات التي توسعت قوتها خلال عقود المواجهة والعقوبات.
ولهذا، فإن أي اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة سيعيد بالضرورة توزيع النفوذ داخل النظام الإيراني، وهو ما يجعل التوصل إلى تسوية أكثر تعقيداً من مجرد الاتفاق على الملف النووي أو العقوبات.
كما أن المقارنة مع حروب الاستنزاف تكشف عن استراتيجية مختلفة لدى المتشددين تقوم على أن الصمود نفسه قد يتحول إلى ورقة تفاوض. لكن هذا الرهان يحمل مخاطر كبيرة، لأن طول أمد الحرب قد يؤدي إلى استنزاف اقتصادي واجتماعي داخلي يصعب التحكم بتداعياته.
وفي المقابل، لا يضمن خيار التسوية نجاحاً سريعاً، إذ إن التوصل إلى اتفاق مع إدارة أميركية متقلبة يحتاج إلى ضمانات واضحة، وهو مطلب قد يكون صعب التحقيق في ظل حجم انعدام الثقة المتراكم بين الطرفين.
وبذلك، قد يكون السؤال الحقيقي خلال المرحلة المقبلة ليس: متى تقرر واشنطن وطهران إنهاء الحرب؟ بل: أي تيار داخل إيران سينجح في فرض رؤيته لموعد الحرب وشروط السلام؟
فإذا انتصر منطق البراغماتيين، قد تتجه طهران نحو تفاوض أسرع لتخفيف الضغوط. أما إذا هيمن تيار المواجهة، فقد تدخل الحرب مرحلة استنزاف طويلة، يصبح فيها عامل الزمن السلاح الأهم بين الطرفين.







