حرية
يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي تحولاً لافتاً في طبيعة المنافسة، إذ لم يعد التفوق يقاس بامتلاك أكبر نموذج أو أكثره تطوراً، بل بالقدرة على توظيف النموذج الأنسب لكل مهمة بأعلى كفاءة وأقل تكلفة. ويقود هذا التوجه انتشار النماذج مفتوحة المصدر التي توفر بديلاً أقل كلفة وأكثر مرونة مقارنة بالنماذج التجارية التي تطورها الشركات العملاقة.
ويرى الرئيس التنفيذي لشركة “بيربليكسيتي”، أرافيند سريناس، أن النموذج اللغوي لم يعد المنتج الرئيسي، بل أصبح جزءاً من منظومة ذكية تتولى اختيار النموذج المناسب لكل مهمة وربطه بالأدوات والبيانات المطلوبة داخل بيئة تشغيل متكاملة.
وأوضح أن المهام الروتينية، مثل خدمة العملاء أو العمليات الداخلية، لا تحتاج إلى نماذج ضخمة مرتفعة التكلفة، بل يمكن إنجازها عبر نماذج أصغر وأرخص، بينما يتم اللجوء إلى النماذج الأقوى فقط عند التعامل مع المهام المعقدة، مثل البرمجة أو التحليل المتقدم.
وفي هذا الإطار، كشفت شركة “بيربليكسيتي” عن نظام جديد يعتمد على نموذج GLM 5.2 مفتوح المصدر، الذي طوره مختبر Z.ai الصيني، ويعمل على تنفيذ الجزء الأكبر من المهام عبر النموذج منخفض التكلفة، مع الاستعانة بنموذج أكثر قوة عند الحاجة فقط.
ويعكس هذا النهج اتجاهاً متزايداً في السوق، حيث أصبحت النماذج المفتوحة أكثر تطوراً، ويمكن للشركات تنزيلها وتشغيلها داخل بنيتها التقنية دون الاعتماد الكامل على الخدمات السحابية مرتفعة الكلفة.
ويتوقع الشريك في شركة Benchmark، بيتر فينتون، أن تشهد السوق تحولاً كبيراً خلال العامين المقبلين، مرجحاً أن أكثر من 90% من العمليات التي تنفذها نماذج الذكاء الاصطناعي ستعتمد على نماذج مفتوحة المصدر، وهو ما سيضع ضغوطاً كبيرة على أرباح الشركات المالكة للنماذج التجارية.
كما أوضح أن النماذج الصغيرة والمتخصصة قد تحقق أداءً أفضل في بعض الاستخدامات، نظراً لسرعتها ودقتها، مقارنة بالنماذج العملاقة المصممة للاستخدامات العامة.
من جانبها، توسع شركة Ollama حضورها في هذا المجال عبر توفير منصة تتيح للمطورين والمؤسسات تشغيل النماذج المفتوحة محلياً، حيث تؤكد الشركة أن أكثر من 85% من شركات قائمة Fortune 500 تعتمد حلولها، خاصة في القطاعات التي تتطلب حماية عالية للبيانات، مثل الرعاية الصحية والطيران والتأمين.
ورغم المزايا الاقتصادية، يثير انتشار النماذج المفتوحة تحديات جيوسياسية، إذ إن عدداً من أكثر النماذج تنافسية يأتي من مختبرات صينية، مثل Z.ai وDeepSeek، ما يضع المنافسة التقنية بين الولايات المتحدة والصين في مرحلة جديدة.
ويؤكد سريناس أن دعم النماذج المفتوحة سيجعل تقنيات الذكاء الاصطناعي أكثر انتشاراً وأقل تكلفة، بما يسمح للشركات الصغيرة والدول المختلفة بالاستفادة منها، بدلاً من اقتصارها على المؤسسات القادرة على تحمل تكاليف النماذج التجارية.
ويرى خبراء أن انخفاض تكلفة هذه النماذج يعود إلى كونها مصممة لأداء مهام محددة، ما يقلل من متطلبات الحوسبة، كما يمكن تشغيلها مباشرة على أجهزة المستخدمين أو داخل مراكز بيانات الشركات، مع اللجوء إلى الحوسبة السحابية فقط في العمليات الأكثر تعقيداً.
يكشف هذا التحول أن المنافسة في الذكاء الاصطناعي انتقلت من سباق “من يملك النموذج الأقوى؟” إلى “من يقدم الحل الأكثر كفاءة وأقل تكلفة؟”. وإذا استمرت النماذج المفتوحة في تحسين أدائها، فقد تواجه شركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle ضغوطاً متزايدة لإعادة النظر في نماذج أعمالها وأسعار خدماتها.
وفي المقابل، يمنح هذا الاتجاه المؤسسات والحكومات قدرة أكبر على تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي داخل بنيتها المحلية، ما يعزز حماية البيانات ويخفض النفقات التشغيلية، لكنه يفتح أيضاً فصلاً جديداً من المنافسة التقنية بين الولايات المتحدة والصين، حيث أصبح التفوق في الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على جودة النماذج، بل على القدرة على توفيرها بأقل تكلفة وأوسع نطاق.







