رغد بنت زيد
في الخامس من مايو/أيار 2026 قدّمت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب ما وصفته بـ”الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الإرهاب”غير أن مضمون الوثيقة يتجاوز بكثير حدود الأمن التقليدي ليبدو أقرب إلى إعادة صياغة شاملة لمفهوم التهديد وحدود العدو وطبيعة النظام الأمني العالمي برمته.
فالاستراتيجية وفق ما تكشفه بنودها العامة لا تكتفي بتحديث أدوات المواجهة مع التنظيمات المسلحة بل تعيد تعريف “الإرهاب” نفسه وتوسّع دائرته ليشمل أطرافاً لم تكن تاريخياً ضمن هذا الإطار من شبكات الجريمة المنظمة إلى بعض التيارات السياسية داخل المجتمعات الغربية. وهو ما يعكس تحوّلاً عميقاً في العقيدة الأمنية الأمريكية باتجاه مقاربة أكثر شمولية وأقل تقييداً بالتصنيفات التقليدية.
من الإرهاب التقليدي إلى مفهوم “العدو المركّب”
أبرز ما يمكن ملاحظته في الاستراتيجية الجديدة هو الانتقال من نموذج “الإرهاب الكلاسيكي”” الذي ارتبط لعقود بتنظيمات عابرة للحدود مثل القاعدة وداعش إلى مفهوم أكثر مرونة واتساعاً يمكن تسميته بـ”العدو المركّب”.
هذا العدو لم يعد يُعرّف فقط من خلال البنية التنظيمية أو الأيديولوجية بل من خلال شبكة من التداخلات تشمل:
- الكارتلات وشبكات تهريب المخدرات
- جماعات سياسية تُصنّف كـ”متطرفة”
- تنظيمات أيديولوجية ذات امتدادات اجتماعية وإعلامية
وبهذا المعنى تتراجع الحدود الفاصلة بين الأمن الداخلي والخارجي لصالح تصور يرى العالم باعتباره ساحة تهديد مفتوحة ومترابطة حيث تتقاطع الجريمة مع السياسة والأيديولوجيا في بنية واحدة معقدة.
الشرق الأوسط: استمرار المركزية الأمنية
رغم الحديث المتكرر عن تراجع مركزية الشرق الأوسط في الحسابات الاستراتيجية العالمية إلا أن الوثيقة الأمريكية تُبقي على المنطقة بوصفها محوراً أمنياً حساساً.
ويبرز في هذا السياق التركيز على إيران باعتبارها عقدة رئيسية في هندسة التهديدات الإقليمية سواء عبر برنامجها النووي أو عبر شبكة تحالفاتها مع جماعات مسلحة في أكثر من ساحة.
لكن اللافت هنا ليس فقط استمرار هذا التوصيف بل الطريقة التي تُعاد بها صياغة أدوات التعامل معه حيث تميل الاستراتيجية نحو دمج الوسائل العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية ضمن مقاربة واحدة أكثر تكاملاً وأوسع نطاقاً.
دمج الجريمة المنظمة بالإرهاب: توسعة تعريف التهديد
من أكثر التحولات حساسية في الوثيقة هو دمج الجريمة المنظمة بالإرهاب ضمن إطار تحليلي وعملياتي واحد. هذا الدمج لا يبدو تقنياً بقدر ما هو سياسي لأنه يمنح واشنطن هامشاً أوسع لتطبيق أدوات مكافحة الإرهاب على ملفات مثل:
- تهريب المخدرات
- شبكات الهجرة غير النظامية
- اقتصاديات الظل العابرة للحدود
هذا التحول يعيد تعريف مفهوم “التهديد الأمني” ليشمل أنماطاً غير أيديولوجية ويمنح الدولة الأمريكية قدرة أكبر على تنفيذ عمليات استباقية خارج حدودها التقليدية تحت عنوان حماية الأمن القومي.
إعادة تشكيل التحالفات: أوروبا وأفريقيا وآسيا
لا تقتصر الاستراتيجية على تحديد الخصوم بل تمتد إلى إعادة هندسة شبكة التحالفات الدولية.
في أوروبا يُلاحظ دفع متزايد نحو تبني سياسات أكثر صرامة تجاه الهجرة والإسلام السياسي مع ربط مستويات التعاون الأمني بمدى التوافق مع الرؤية الأمريكية.
أما في أفريقيا فيبرز التركيز على منع التنظيمات المسلحة من بناء ملاذات آمنة ضمن مقاربة تربط بين الأمن والتنمية الاقتصادية كأداة احتواء طويلة المدى.
وفي آسيا يتصاعد الاهتمام بمكافحة الدعاية الرقمية والتجنيد الإلكتروني باعتبارهما من أهم أدوات الصراع في حروب الجيل الجديد.
عودة منطق “الضربة الاستباقية”
أخطر ما في هذه الاستراتيجية أنها تعيد تثبيت مبدأ “الضربة الاستباقية” كأداة مركزية في إدارة التهديدات. أي التعامل مع المخاطر قبل تحولها إلى وقائع وليس بعد وقوعها.
ورغم ما يمنحه هذا التوجه من مرونة عملياتية إلا أنه يثير إشكاليات قانونية وسياسية تتعلق بحدود استخدام القوة خارج الأطر الدولية التقليدية واحتمالات توسعها في مناطق متعددة من العالم.
بين مكافحة الإرهاب وإعادة هندسة النظام الدولي
في المحصلة لا تبدو الاستراتيجية الأمريكية مجرد تحديث تقني لسياسات مكافحة الإرهاب بل محاولة لإعادة صياغة مفهوم الأمن العالمي نفسه وفق رؤية تعتبر أن التهديد لم يعد محصوراً في جغرافيا أو تنظيم محدد بل في شبكة معقدة من الجريمة والأيديولوجيا والسياسة.
غير أن هذا التوسع في تعريف “العدو” يفتح سؤالاً مركزياً حول مستقبل الاستقرار الدولي:
هل يؤدي هذا النهج إلى عالم أكثر أمناً وانضباطاً أم إلى توسع دائم في ساحات المواجهة تحت عنوان مكافحة التهديدات غير المحددة؟
في كل الأحوال يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة لم يعد فيها الإرهاب مفهوماً واضح الحدود بل إطاراً واسعاً لإدارة الصراع وإعادة توزيع القوة والنفوذ على مستوى النظام الدولي.






