حرية
يبدو أن مضيق هرمز يقترب من اختبار جديد قد يعيد رسم قواعد الملاحة في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، مع بروز تفاهم مبدئي بين سلطنة عُمان وإيران لتنظيم حركة السفن وإعادة تشغيل المضيق بصورة تدريجية، بعد أشهر من المواجهة العسكرية التي وضعت أمن الطاقة والتجارة العالمية أمام واحدة من أخطر أزماتها.
وبحسب مصادر مطلعة على المفاوضات، فإن التفاهم لا يقتصر على قرار إعادة فتح المضيق، وإنما يتضمن ترتيبات أمنية وفنية لإدارة حركة السفن وتقاسم مسؤوليات الإشراف البحري بين طهران ومسقط، ضمن مرحلة انتقالية قد تمتد بين 60 و120 يوماً، بهدف إعادة الملاحة تدريجياً وتقليل احتمالات الاحتكاك العسكري.
وتشير المعلومات إلى أن المقترح يتضمن إنشاء مركز تنسيق مشترك بين عُمان وإيران، يتولى متابعة حركة السفن وتبادل البيانات المتعلقة بالملاحة والأمن بصورة مستمرة، إلى جانب تحديد ممرات بحرية واضحة تفصل بين خطوط الدخول والخروج وتحد من فرص وقوع حوادث أو عمليات اعتراض خلال الفترة الانتقالية.
وبموجب الترتيبات المقترحة، تسلك السفن المتجهة إلى الخليج مساراً شمالياً يخضع للإشراف الإيراني، في حين تخصص حركة السفن المغادرة مساراً جنوبياً ضمن المياه الإقليمية العُمانية. كما يتضمن التفاهم عدم فرض رسوم عبور إلزامية على السفن التجارية، مع إمكانية تقديم خدمات أمنية وبيئية اختيارية مقابل رسوم للراغبين فيها.
عُمان تحاول منع تحويل هرمز إلى ساحة صراع
تضع سلطنة عُمان في صلب الوساطة هدفاً يتجاوز إعادة حركة السفن، ويتمثل في منع تحول مضيق هرمز إلى ساحة اشتباك مفتوحة أو ورقة دائمة في الصراع الإقليمي.
ولهذا السبب، تسعى مسقط إلى إبقاء التفاهم في إطار فني ومؤقت، بعيداً عن أي صيغة يمكن تفسيرها باعتبارها اعترافاً بسيادة طرف واحد على المضيق، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف الإقليمية والدولية.
ويبرز ملف رسوم العبور كأحد أكثر الملفات حساسية؛ إذ تشير الترتيبات المطروحة إلى رفض إدراج أي نص يتيح فرض رسوم إلزامية على السفن، بما يتوافق مع مبدأ حرية الملاحة والمرور العابر في المضائق الدولية وفق القانون الدولي للبحار.
وهنا تكمن أهمية الدور العُماني: إعادة فتح هرمز من دون تحويل ترتيبات الملاحة إلى مكسب سياسي أو قانوني دائم لأي طرف.
إيران تربط إعادة الفتح بشروطها
ورغم الحديث عن تفاهمات فنية بين مسقط وطهران، فإن إعادة الفتح الكامل والآمن للمضيق لا تبدو منفصلة عن التطورات العسكرية والسياسية الأوسع.
فطهران ترى أن أمن الملاحة لا يمكن فصله عن الضغوط المفروضة عليها، ولا سيما الحصار البحري على موانئها وصادراتها النفطية. ولذلك فإن الترتيبات الفنية المقترحة قد تكون، بالنسبة إلى إيران، جزءاً من صفقة أكبر ترتبط بمسار المواجهة مع واشنطن.
وتشير المواقف الإيرانية إلى أن مسودة التفاهم خضعت لمراجعة داخل المؤسسات السياسية والأمنية في طهران، في محاولة لتحقيق مكاسب تفاوضية من دون تقديم تنازلات يمكن أن تفسر باعتبارها تراجعاً تحت الضغط العسكري.
واشنطن أمام معادلة معقدة
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل أي تفاهم يضمن عودة الملاحة فرصة لخفض التصعيد وتجنب أزمة طاقة عالمية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على واشنطن التعامل بحذر مع أي دور إيراني في تنظيم حركة السفن.
فالولايات المتحدة ترفض منح طهران غطاءً قانونياً يتيح لها فرض رسوم إلزامية أو ممارسة سيطرة أحادية على الملاحة الدولية، كما أن أي ترتيبات مالية مباشرة مع مؤسسات إيرانية قد تصطدم بالعقوبات الأمريكية.
وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق لن يعتمد فقط على موافقة إيران وعُمان، بل على قدرة الأطراف على تصميم آلية لا تضع شركات الشحن والتأمين أمام مخاطر قانونية أو عقوبات أمريكية.
خلاف داخل واشنطن؟
وتكشف القراءة السياسية للتفاهم عن وجود تباين محتمل داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية التعامل مع المسار العُماني الإيراني.
فبينما قد يرى الجناح القريب من الرئيس دونالد ترامب أن إعادة فتح المضيق واستئناف حركة الطاقة يمثلان مكسباً اقتصادياً وأمنياً سريعاً، قد تنظر أصوات أكثر تشدداً داخل الإدارة إلى منح إيران أي دور تنظيمي في هرمز باعتباره مخاطرة يمكن أن تتحول لاحقاً إلى ورقة تفاوضية بيد طهران في ملفات العقوبات والبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.
ومن هنا تظهر سياسة «خطوة مقابل خطوة» باعتبارها السيناريو الأكثر احتمالاً، بحيث ترتبط أي تسهيلات أمريكية أو اقتصادية بمدى التزام إيران الفعلي بأمن الملاحة وتنفيذ الترتيبات المتفق عليها.
هرمز بين التهدئة وإعادة إنتاج الأزمة
المعضلة الأساسية أن التفاهم المقترح قد ينجح في إعادة السفن إلى المضيق، لكنه لا ينهي الأسباب التي دفعت إلى إغلاقه أو اضطراب الملاحة فيه.
فإذا بقيت المواجهة العسكرية والعقوبات والحصار البحري قائمة، فإن أي فتح للممر سيكون معرضاً للانتكاس عند أول أزمة جديدة. أما إذا تحول التفاهم المؤقت إلى قناة تفاوض أوسع، فقد يصبح هرمز مدخلاً لإعادة ترتيب العلاقة بين طهران وواشنطن، وليس مجرد اتفاق تقني لإدارة حركة السفن.
ولهذا فإن أهمية التفاهم لا تكمن فقط في تحديد أي مسار تسلكه السفن، شمالاً أم جنوباً، وإنما في السؤال الأكبر: هل تستطيع عُمان تحويل الترتيب المؤقت للملاحة إلى اتفاق سياسي يخفف التصعيد، أم أن مضيق هرمز سيبقى ورقة ضغط قابلة لإعادة الاستخدام مع كل جولة جديدة من الصراع؟
وفي جميع الأحوال، فإن أي عودة مستقرة للملاحة عبر هرمز ستكون ذات أثر يتجاوز دول الخليج، لتطال أسعار النفط والغاز وتكاليف التأمين والشحن وسلاسل الإمداد العالمية، ما يجعل نجاح أو فشل هذا التفاهم مسألة ذات تداعيات دولية واسعة.
إذا أردت، أستطيع أيضاً تحويلها إلى مقال رأي أكثر جرأة بعنوان صادم، يركز على أن «هرمز أصبح ورقة تفاوض لا مجرد ممر ملاحي».







