حرية
تتجه مفاوضات حصر السلاح بيد الدولة في العراق إلى مرحلة أكثر حساسية، مع ظهور تباين بشأن الجهة التي تقود الحوار مع الفصائل المسلحة، وحدود دور الحكومة واللجنة السياسية المكلفة بالتفاوض.
فبينما تعمل اللجنة على استكمال اتصالاتها مع القوى الرافضة لتسليم السلاح، كشف مصدر مطلع عن اجتماعات منفردة يعقدها رئيس الوزراء علي الزيدي مع بعض قادة الجماعات، وهي خطوة أثارت امتعاض شخصيات داخل اللجنة، من بينها رئيس منظمة بدر هادي العامري، بحسب المصدر.
ويعكس هذا التباين حساسية الملف داخل القوى السياسية نفسها؛ فالمفاوضات لا تتعلق فقط بإقناع الفصائل بالتخلي عن قدراتها العسكرية، بل تتصل أيضاً بكيفية إدارة هذا التحول، والضمانات التي يمكن أن تقبل بها الأطراف المعنية، فضلاً عن الجهة المخولة بتمثيل المسار التفاوضي.
ويرى أعضاء في اللجنة، وفق المصدر، أن أي تحرك خارج إطارها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، في وقت تقول فيه اللجنة إنها أحرزت تقدماً في حواراتها وتعتزم إنجاز مهمتها ضمن الموعد المحدد بنهاية حزيران 2027.
ولم تكن اللجنة الرباعية موجودة بصيغتها الحالية منذ بداية الملف؛ إذ شكل الإطار التنسيقي لجنة ثلاثية قبل أكثر من شهرين، ثم تحولت إلى لجنة رباعية لتولي التواصل مع الفصائل الرافضة لحصر السلاح بيد الدولة.
وضم تشكيلها شخصيات سياسية بارزة، بينها نوري المالكي ومحمد شياع السوداني وهادي العامري، قبل انضمام رئيس المجلس الأعلى الإسلامي همام حمودي، لتتولى إعداد تصورات وآليات للتعامل مع هذا الملف.
وفي 13 أيلول الماضي، تسلم الزيدي تقريراً موسعاً أعدته اللجنة بشأن الخيارات الممكنة لمعالجة ملف الفصائل، تضمن مقترحات تهدف إلى تحقيق سلطة الدولة مع مراعاة حقوق الأطراف المعنية، بحسب مصدر.
كما شهدت المفاوضات طرح صيغ لا تقتصر على التسليم الفوري للسلاح، بل تتناول تنظيم استخدامه وإخضاع قرار تحريكه لسلطة القائد العام للقوات المسلحة، وهي مقاربة تعكس حجم التعقيد في الانتقال من وجود جماعات مسلحة إلى حصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الدستورية.
وتعود جذور هذا المسار إلى دعوات سياسية وقضائية متصاعدة خلال عام 2026 لتوحيد القرار الأمني.
ففي 28 أيار، أعلن الزيدي تمسك حكومته بمشروع حصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً أن الحكومة تريد أن تكون الجهة الوحيدة التي تحتكر السلاح.
وفي 3 حزيران، دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بقية الفصائل إلى الانضمام إلى الجهات التي وافقت على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، بعد إعلانه شكر حركة عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي والتيار الوطني الشيعي على استجابتها لهذا التوجه.
لكن المواقف لم تكن موحدة؛ إذ أعلنت حركة النجباء وكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء رفضها التخلي عن قدراتها العسكرية، فيما طرحت بعض الفصائل شروطاً تتصل بوجود القوات الأجنبية والنفوذ الأمريكي في العراق وطبيعة القرارات السياسية والأمنية.
ويكشف هذا التباين أن التفاوض لا يجري مع طرف واحد يمتلك موقفاً موحداً، بل مع جماعات تختلف في حساباتها ومطالبها، ما يجعل الوصول إلى صيغة مشتركة أكثر تعقيداً.
وفي 20 تشرين الأول الماضي، جدد الإطار التنسيقي التزامه بموعد 30 حزيران 2027 لحصر السلاح خارج سيطرة الدولة، معلناً تفويض حكومة الزيدي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك، من دون توضيح طبيعة الإجراءات التي ستُتخذ بحق الجهات التي لا تلتزم بالموعد.
كما أكدت الحكومة أن مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي منفصل عن ملف حصر السلاح خارج سيطرة الدولة، في إشارة إلى وجود مسارين مختلفين: تنظيم وضع المؤسسة الرسمية، ومعالجة السلاح الذي لا يخضع لقرار الدولة.
وبذلك، لا يقتصر التحدي أمام اللجنة الرباعية والحكومة على إنهاء المفاوضات ضمن المهلة المعلنة، بل يمتد إلى الاتفاق على آلية تنفيذ قابلة للتطبيق، تمنع تحول الخلاف على إدارة الحوار إلى عقبة إضافية.
وبين اجتماعات اللجنة واتصالات رئيس الوزراء المباشرة، يبقى الاختبار الأهم هو ما إذا كانت هذه المسارات ستتكامل للوصول إلى قرار أمني موحد، أم أن تعدد قنوات التفاوض سيعمق التباين داخل القوى السياسية والفصائل المعنية.







