حرية
أعادت المقابلة التلفزيونية التي أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضمن برنامج “رواية الحرب” فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل إيران منذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة، بعدما تجاوزت الحديث عن السياسة الخارجية إلى الكشف عن تفاصيل تتعلق بإدارة الحرب، والاختراقات الأمنية، وآليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة.
وسرعان ما تحولت المقابلة إلى محور جدل سياسي وإعلامي واسع، إذ اعتبرها مؤيدو عراقجي محاولة لتقديم رواية رسمية لما جرى خلف الكواليس، فيما اتهمه خصومه، ولا سيما التيار المحافظ المتشدد، بكشف معلومات أمنية حساسة، وتبرئة الدبلوماسية من الإخفاقات، مقابل تحميل المؤسسات الأمنية والعسكرية مسؤولية الثغرات التي سبقت الحرب.
وخلال المقابلة، كشف عراقجي عن استخدام كبار المسؤولين مواقع محصنة وأنفاقاً تحت الأرض لإدارة بعض الاجتماعات الحساسة خلال الحرب، كما تحدث عن الظروف التي رافقت المرحلة التي أعقبت مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، وصعود مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة، إضافة إلى طبيعة التنسيق بين مؤسسات الدولة خلال تلك المرحلة.
وأثار حديثه عن عقد اجتماعات داخل الأنفاق انتقادات واسعة، بعدما اعتبر معارضوه أن مجرد الإشارة إلى هذه المواقع يمثل إفشاءً لمعلومات أمنية ينبغي أن تبقى سرية، فيما طالب بعض المتشددين بفتح تحقيق قضائي بحق عراقجي ومقدم البرنامج.
كما أثار عراقجي جدلاً آخر عندما أكد أنه لم يلتقِ مجتبى خامنئي لا قبل انتخابه مرشداً ولا بعده، وهو ما فتح باباً واسعاً من التساؤلات والنقاشات داخل وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية.
وفي جانب آخر، أقر وزير الخارجية بأن المجلس الأعلى للأمن القومي لم يكن يتوقع سقوط مدينة مشهد خلال الاحتجاجات التي شهدتها البلاد مطلع العام، وهو ما اعتبره منتقدوه اعترافاً بفشل التقديرات الأمنية والسياسية، ومنح خصوم إيران مادة إضافية للطعن في أداء مؤسسات الدولة.
الاختراقات الأمنية في واجهة الأزمة
الجزء الأكثر حساسية في المقابلة تمثل في حديث عراقجي عن الساعات الأولى للحرب، واستهداف مكتب المرشد الإيراني، وإشارته إلى امتلاك المهاجمين معلومات دقيقة عن تحركات كبار المسؤولين ومواقعهم.
وأوضح أنه كان موجوداً في مبنى قريب من مكتب خامنئي أثناء القصف ونجا من الاستهداف، قبل أن يضيف أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في الاختراقات الأمنية، بل في ما وصفه بـ”تيار النفوذ” الذي يؤثر في صناع القرار عبر معلومات وتحليلات خاطئة.
هذه التصريحات فجرت موجة انتقادات من وسائل إعلام مقربة من الحرس الثوري، بينها وكالتا “فارس” و”تسنيم”، إضافة إلى قناة “أفق”، التي اعتبرت أن عراقجي تجاوز صلاحياته وتحدث في ملفات أمنية وعسكرية ينبغي أن تبقى ضمن المؤسسات المختصة.
ووصلت الانتقادات إلى حد السخرية من تصريحاته، إذ شبه رئيس تحرير وكالة “فارس” تحليلاته بـ”أحاديث سائقي سيارات الأجرة”، بينما رأى آخرون أن حديثه يضعف الرواية الرسمية للدولة في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب مستمرة.
في المقابل، دافع أنصار الوزير عنه، معتبرين أن المشكلة الحقيقية ليست فيما قاله، وإنما في استمرار غياب الإجابات الرسمية عن كيفية تمكن الخصوم من اختراق مؤسسات شديدة الحساسية والوصول إلى قيادات ومواقع استراتيجية.
الدبلوماسية في مواجهة “تجار الحرب”
المقابلة أعادت أيضاً إحياء الانقسام التقليدي داخل النظام الإيراني بين دعاة التفاوض وأنصار المواجهة العسكرية.
فقد كشف عراقجي عن الاتصالات التي جرت مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، مؤكداً أن جميع القرارات المتعلقة بالمفاوضات كانت تصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي، ولم تكن وزارة الخارجية صاحبة القرار المنفرد.
كما استشهد بلقائه مع ويتكوف، حين سأله: “هل سبق لك أن حضرت اجتماعاً يمكن أن يتعرض للقصف في أي لحظة؟”، في محاولة لإظهار أن المفاوضين الإيرانيين كانوا يعملون تحت الخطر ذاته الذي واجهه العسكريون.
ويرى مؤيدو عراقجي أن حديثه جاء للرد على اتهامات طالما حملت الدبلوماسية مسؤولية فشل المفاوضات، بينما يؤكد أن وزارة الخارجية كانت تنفذ قرارات مؤسسات الدولة، لا أنها ترسمها منفردة.
ودافع المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي عن تصريحات الوزير، فيما رأى سياسيون وإعلاميون إصلاحيون أن الحملة عليه تعكس صراعاً داخلياً حول مستقبل السياسة الخارجية الإيرانية أكثر مما تعكس خلافاً على مضمون المقابلة.
تكشف ردود الفعل على مقابلة عراقجي أن الصراع داخل إيران لم يعد يدور حول تفاصيل الحرب فقط، بل حول الرواية التي ستُعتمد لتفسير ما حدث، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاقات العسكرية والأمنية والسياسية.
فالتيار الداعم للدبلوماسية يسعى إلى تثبيت قناعة مفادها أن التفاوض كان قراراً مؤسساتياً، وأن الفشل يعود بالدرجة الأولى إلى الاختراقات الأمنية وسوء التقديرات داخل الأجهزة المعنية، وليس إلى خيار الحوار مع واشنطن.
في المقابل، يحاول التيار المتشدد منع انتقال النقاش إلى ملف الثغرات الأمنية، لأنه يفتح الباب أمام مساءلة مؤسسات تمتلك نفوذاً واسعاً داخل الدولة، ولذلك يركز على اتهام عراقجي بكشف أسرار الدولة وتحميله مسؤولية الجدل بدلاً من مناقشة مضمون ما كشفه.
كما تعكس الحملة الإعلامية أن الصراع الحقيقي يدور حول شكل السياسة الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب؛ فالإصلاحيون وأنصار الدبلوماسية يرون أن استمرار المواجهة العسكرية سيزيد من عزلة إيران واستنزافها اقتصادياً، بينما يعتبر المتشددون أن أي انفتاح أو تفاوض مع الولايات المتحدة يمثل تنازلاً استراتيجياً.
وفي المحصلة، تبدو مقابلة عراقجي أكثر من مجرد حديث إعلامي، إذ تحولت إلى وثيقة سياسية كشفت حجم الانقسام داخل مؤسسات الحكم، وأعادت إلى الواجهة السؤال الذي لا تزال السلطات الإيرانية تتجنب الإجابة عنه بصورة واضحة: كيف تمكنت الاختراقات الأمنية من الوصول إلى قلب النظام، ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟







