حرية
لا يمثل الاتفاق المبدئي الأخير بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تفاهم لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، بل يعد محطة جديدة في صراع معقد ومتشعب امتد لأكثر من ستين عاماً، تداخلت فيه الملفات النووية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، وتحول من خلاف سياسي إلى واحدة من أكثر الأزمات تأثيراً في الشرق الأوسط والعالم.
بدأت العلاقة بين البلدين بشكل مختلف تماماً عما هي عليه اليوم، عندما دعمت الولايات المتحدة البرنامج النووي الإيراني في ستينيات القرن الماضي ضمن مشروع “الذرات من أجل السلام”، قبل أن تنقلب المعادلة بالكامل بعد الثورة الإسلامية عام 1979 وأزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، لتدخل العلاقات مرحلة طويلة من القطيعة والعداء.
ومع مطلع الألفية الجديدة، تحول البرنامج النووي الإيراني إلى مركز الصراع الرئيسي بين الجانبين، خصوصاً بعد الكشف عن منشآت التخصيب السرية، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات واسعة وفتح مسارات تفاوضية طويلة انتهت بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، قبل أن يعود التوتر مجدداً بعد انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق عام 2018.
وشهدت السنوات اللاحقة سلسلة من الأحداث المفصلية، من اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني، إلى الهجمات المتبادلة في المنطقة، وتطور البرنامج النووي الإيراني إلى مستويات تخصيب غير مسبوقة، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إسرائيل وما تبعها من انخراط أمريكي متزايد في الصراع.
وتُظهر التطورات الأخيرة أن الطرفين وصلا إلى قناعة بأن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة باهظة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. فإغلاق مضيق هرمز هدد أمن الطاقة العالمي، بينما أثارت الحرب مخاوف من اتساع دائرة الصراع لتشمل دولاً أخرى في المنطقة.
ورغم أن الاتفاق الحالي يمنح فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة فتح قنوات التفاوض، إلا أن التجارب السابقة تجعل من الصعب الحديث عن تسوية نهائية. فالقضايا الخلافية الأساسية ما زالت قائمة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي لطهران، فضلاً عن الضمانات التي يطالب بها كل طرف لمنع تكرار الانهيارات السابقة للاتفاقات.
يمثل الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد محاولة لوقف مسار التصعيد الذي بلغ ذروته خلال العامين الماضيين، لكنه لا يطوي صفحة الصراع الممتد منذ عقود. فالمفاوضات المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لقدرة الطرفين على تحويل التهدئة المؤقتة إلى تسوية مستدامة، في وقت تترقب فيه المنطقة والعالم ما إذا كان هذا الاتفاق بداية مرحلة استقرار جديدة أم مجرد هدنة تسبق جولة أخرى من التوتر.







