حرية
لم تعد موازنة 2027 مجرد استحقاق مالي ينتظر وصوله إلى مجلس النواب، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الدولة على إدارة اقتصاد شديد الارتباط بالنفط، في وقت تتسع فيه الالتزامات الثابتة وتضيق هوامش التمويل، بينما تفرض الاضطرابات الإقليمية مخاطر إضافية على أسعار الخام وكميات التصدير وكلف النقل والاستيراد.
وتتجه الحكومة إلى إعداد مشروع موازنة العام المقبل بحجم متداول يقترب من 200 تريليون دينار، وسط تقديرات تشير إلى أن النفقات التشغيلية قد تستحوذ على نحو 78 بالمئة منها، فيما يجري التحضير للانتقال من موازنة البنود إلى موازنة البرامج والأداء، في محاولة لربط الإنفاق الحكومي بالنتائج والمشاريع بدلاً من الاكتفاء بتوزيع التخصيصات.ويأتي ذلك بعد اضطراب دورة الموازنة الاتحادية، إذ لم تُقر موازنة 2026 بصيغة جداول سنوية مصادق عليها، فيما استمر الإنفاق وفق الآليات القانونية المؤقتة، الأمر الذي يجعل موازنة 2027 أمام مهمة مزدوجة: تأمين احتياجات سنة مالية جديدة، واستعادة انتظام دورة التخطيط المالي بعد عام اتسم بغياب الموازنة السنوية المكتملة.وبحسب قانون الإدارة المالية الاتحادي، يفترض أن تقدم الحكومة مشروع قانون الموازنة إلى مجلس النواب قبل منتصف تشرين الأول من كل عام، فيما أكدت الحكومة أن موازنة 2027 يجري إعدادها وفق المسار القانوني تمهيداً لإرسالها في الموعد المحدد.لكن الموعد القانوني لا يلغي المشكلة الأكبر، وهي الفارق بين حجم الإنفاق المتوقع وحجم الإيرادات التي يمكن ضمانها.وتشير تقديرات متداولة إلى احتمال وصول العجز إلى أكثر من 60 تريليون دينار، فيما حذر اقتصاديون من أن اتساع الفجوة بين الإنفاق والإيرادات قد يعيد الحكومة إلى خيارات الاقتراض أو تأجيل بعض النفقات والمشاريع، في وقت تواجه فيه المالية العامة أصلاً ضغوطاً مرتبطة بالدين والسيولة.ويضع هذا السيناريو النفط في قلب موازنة 2027، ليس فقط باعتباره المورد الأكبر للخزينة، وإنما باعتباره المتغير الأكثر قدرة على تغيير الحسابات خلال فترة قصيرة.النفط.. نقطة القوة ومصدر المخاطرةالعراق يدخل إعداد موازنته المقبلة وهو يدرك أن أي افتراض متفائل لسعر النفط أو حجم الصادرات يمكن أن يتحول إلى فجوة مالية إذا جاءت السوق دون التوقعات.ولهذا فإن تحديد سعر برميل النفط في الموازنة لا يمثل رقماً محاسبياً فقط، بل هو أحد أهم مفاتيح تقدير الإيرادات والعجز وحجم الاقتراض الذي قد تحتاج إليه الدولة.وتزداد حساسية هذه الفرضيات مع استمرار الاضطرابات الإقليمية وتأثيرها في حركة الطاقة والنقل، إذ أظهرت التطورات خلال 2026 أن العراق يمكن أن يتأثر سريعاً بأي اضطراب في طرق تصدير النفط أو حركة الملاحة.وكان رئيس الوزراء قد أعلن في آب الماضي توجه العراق إلى زيادة طاقته الإنتاجية إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال ست سنوات، بالتوازي مع تحركات لرفع حصة العراق الإنتاجية في أوبك، فيما تعمل بغداد على توسيع خيارات التصدير عبر جيهان وإنشاء مسارات مستقبلية عبر سوريا والأردن لتقليل مخاطر الاعتماد على مسار واحد.وتكشف هذه التطورات أن ملف تصدير النفط لم يعد مرتبطاً فقط بقدرة العراق على إنتاج الخام، وإنما بقدرته على إخراجه إلى الأسواق في ظروف إقليمية متغيرة.وفي هذا السياق، يمثل تراجع سعر البرميل صدمة مباشرة للإيرادات، بينما يمثل تراجع كميات التصدير ضربة مزدوجة؛ لأنه يخفض حجم النفط المباع حتى لو بقي السعر مرتفعاً.ولهذا فإن موازنة آمنة تحتاج إلى التعامل مع الاحتمالين معاً، وعدم بناء الإنفاق على أفضل سيناريو لسعر النفط أو التصدير.عجز قد يتجاوز 60 تريليوناًفي حال اقترب الإنفاق من 200 تريليون دينار ولم تتجاوز الإيرادات الحدود المتوقعة، فإن الفجوة المالية تصبح هي العنوان الأكثر حساسية في الموازنة.الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني يرى أن بلوغ إجمالي الإيرادات النفطية وغير النفطية 100 تريليون دينار سيكون إنجازاً في الظروف الحالية، مشيراً إلى أن الإيرادات غير النفطية التي بلغت نحو 14 تريليون دينار العام الماضي قد ترتفع إلى 20 أو 25 أو 30 تريليون دينار في أفضل الأحوال.ومن وجهة نظره، فإن حجم الإنفاق المتداول لا يتناسب مع الظروف الاقتصادية الحالية، ويدعو إلى موازنة تتراوح بين 130 و140 تريليون دينار بدلاً من سقف يقترب من 200 تريليون.لكن خفض الإنفاق إلى هذا المستوى ليس قراراً سهلاً، لأن القسم الأكبر من النفقات يرتبط بالرواتب والأجور والتقاعد والحماية الاجتماعية والتزامات الدولة تجاه المؤسسات والوزارات والمحافظات.وهنا تتضح المفارقة الأساسية في الموازنة: الحكومة تحتاج إلى خفض الإنفاق لتقليل العجز، لكنها لا تستطيع بسهولة خفض النفقات التي تمس الاستقرار الوظيفي والاجتماعي والخدمات الأساسية.الرواتب في مواجهة التقشفالنفقات التشغيلية ستكون أحد أكثر الملفات حساسية في موازنة 2027، خصوصاً مع تقديرات تشير إلى استحواذها على النسبة الأكبر من إجمالي الموازنة.ولا يتعلق الأمر بالرواتب وحدها، بل أيضاً بالتقاعد والرعاية الاجتماعية ونفقات تشغيل مؤسسات الدولة، فضلاً عن الترفيعات والعلاوات والالتزامات التي تتحول بمرور الوقت إلى نفقات ثابتة.وفي هذا الجانب، أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن العلاوات والترفيعات تختلف عن تثبيت العقود؛ فالأولى استحقاقات قانونية، بينما يؤدي تثبيت العقود إلى تحويل التزام مؤقت إلى التزام دائم يحتاج إلى حساب كلفته وحاجة الدولة الفعلية إليه.وهذا التفريق يعكس أحد أصعب ملفات الموازنة المقبلة: كيف يمكن السيطرة على نمو الإنفاق من دون خلق التزامات جديدة يصعب تمويلها مستقبلاً؟الاقتراض.. حل للعجز أم عبء جديد؟إذا لم تكفِ الإيرادات لتمويل النفقات، يصبح الاقتراض أحد الخيارات المطروحة، إلا أن المشكلة تكمن في أن الاقتراض لا يلغي العجز، بل ينقله إلى السنوات المقبلة مع إضافة أعباء خدمة الدين.ويحذر المشهداني من أن تمويل العجز عبر الاقتراض قد ينعكس على السوق النقدية، من خلال زيادة حجم العملة المتداولة وارتفاع معدلات التضخم والضغط على قيمة الدينار، فضلاً عن تأثيراته على المشاريع والاستثمارات وفرص العمل.وتأتي هذه التحذيرات في وقت تجاوز فيه الدين الداخلي مستويات مرتفعة، فيما تواجه الحكومة أيضاً تحدي الحفاظ على السيولة اللازمة لتمويل النفقات الأساسية.ولهذا فإن السؤال في موازنة 2027 لن يكون فقط: كم يبلغ العجز؟ بل كيف سيمول؟ وما حجم الدين الذي يمكن للاقتصاد تحمله؟ وهل سيكون الاقتراض موجهاً إلى مشاريع قادرة على توليد قيمة اقتصادية، أم سيستخدم لتمويل نفقات جارية؟50 تريليوناً للاستثمار.. ولكن ماذا عن المشاريع؟في مقابل الإنفاق التشغيلي، تبرز التخصيصات الاستثمارية باعتبارها الأداة التي يفترض أن تحرك الاقتصاد وتخلق فرص العمل وتزيد الإنتاج.والتقديرات المتداولة تضع نحو 50 تريليون دينار ضمن موازنة البرامج والمشاريع من إجمالي يقارب 200 تريليون دينار.لكن المشكلة لا تتعلق بحجم الأموال المخصصة للاستثمار فقط، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى مشاريع مكتملة ومنتجة.فالمشهداني يقدر مستحقات المشاريع المنفذة لصالح الوزارات والمحافظات بما يتراوح بين 37 و41 تريليون دينار، فضلاً عن مستحقات الفلاحين البالغة نحو 7 تريليونات دينار.وهذا يعني أن جزءاً من الموارد الاستثمارية المقبلة قد يذهب إلى تسديد التزامات ومشاريع سابقة، بدلاً من فتح مشاريع جديدة بالكامل.ومن هنا يأتي التحول إلى موازنة البرامج والأداء بوصفه محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المال العام والنتائج؛ بحيث لا تحصل الجهات الحكومية على الأموال لمجرد إدراج المشاريع، وإنما يفترض أن يرتبط التمويل بمؤشرات أداء ومخرجات واضحة.وأكدت وزارة المالية أن التحول إلى هذا النوع من الموازنات دخل مرحلة الإعداد الفعلي، فيما يجري العمل على تطوير الآليات التنفيذية والمؤشرات المطلوبة لتطبيقه.الإيرادات غير النفطية.. الطريق الأصعبإذا كان خفض الإنفاق محدوداً بسبب طبيعته الاجتماعية، فإن رفع الإيرادات غير النفطية يبدو المسار الآخر أمام الحكومة.وتشمل هذه الإيرادات الضرائب والرسوم والكمارك وإيرادات مؤسسات الدولة، لكن رفعها لا يمكن أن يعتمد فقط على زيادة الرسوم والضرائب، لأن ذلك قد يرفع كلف النشاط الاقتصادي ويؤثر في المستهلكين.ولهذا يبرز الإصلاح الإداري والجباية الإلكترونية وضبط المنافذ الحدودية ومكافحة التهرب الضريبي والكمركي باعتبارها أدوات لزيادة الإيرادات من دون الاعتماد حصراً على فرض أعباء جديدة.وفي هذا الاتجاه، تضع اللجنة المالية ضمن أولوياتها ضبط الموارد الجمركية والضريبية وتحسين الجباية، مع الحديث عن تحويل بعض الوزارات والمؤسسات الخدمية من جهات مستهلكة للمال العام إلى مؤسسات قادرة على تحقيق موارد أو تقليل كلف الدولة.لكن الأرقام تكشف أن هذا التحول يحتاج إلى وقت.فالمشهداني يرى أن الإيرادات غير النفطية قد تصل إلى 20 أو 25 أو حتى 30 تريليون دينار في أفضل الظروف، وهو ما يعني أنها تستطيع تخفيف جزء من الضغط، لكنها لن تكون بديلاً فورياً عن النفط في تمويل موازنة بحجم 200 تريليون دينار.الزراعة والصناعة والسياحة.. البدائل تحتاج إلى سنواتأما القطاعات التي يمكن أن تشكل قاعدة لاقتصاد أقل اعتماداً على النفط، فتتمثل أساساً في الزراعة والصناعة والسياحة، إلى جانب الخدمات والنقل والطاقة.غير أن هذه القطاعات لا تستطيع سد فجوة الموازنة خلال عام واحد.فالزراعة تحتاج إلى توفير المعدات والمدخلات ودعم الإنتاج المحلي وحماية المنتج، بينما تحتاج الصناعة إلى استثمارات وبنية تحتية وطاقة وأسواق، وتحتاج السياحة إلى بنية خدمية وأمنية ونقل وتسويق.ولهذا يرى المشهداني أن التعويل على هذه القطاعات يجب أن يكون ضمن برنامج إصلاحي وتنموي طويل الأمد، لا باعتبارها إيرادات سريعة يمكن إدراجها في موازنة واحدة.وفي المقابل، فإن الاستثمار في الصحة والتربية والتعليم يمكن أن يرفع قدرة الاقتصاد المحلي على تقديم الخدمات وتقليل الاعتماد على الإنفاق الخارجي، فضلاً عن أثره في رأس المال البشري.النفط أم التصدير.. أين تكمن الصدمة الأكبر؟السيناريوهات التي تواجه موازنة 2027 لا تتوقف عند انخفاض سعر النفط.فانخفاض السعر يعني أن كل برميل يباع سيحقق إيراداً أقل، بينما يؤدي انخفاض كميات التصدير إلى تقليص عدد البراميل التي تدخل إيراداتها إلى الخزينة.أما اجتماع الانخفاض في السعر والكميات في الوقت نفسه، فيضع الموازنة أمام صدمة أكبر، لأنه يضرب طرفي المعادلة النفطية معاً.وقد أظهرت أزمة مضيق هرمز خلال 2026 أهمية هذه المسألة بالنسبة للعراق، إذ أدى اضطراب حركة الملاحة إلى التأثير في صادرات النفط العراقية، ودفع الحكومة إلى البحث عن طرق تصدير بديلة عبر تركيا وسوريا والأردن.ومن هنا تكتسب مشاريع تنويع منافذ التصدير أهمية تتجاوز الجانب النفطي المباشر، لأنها تمثل نوعاً من التحوط أمام المخاطر الجغرافية والسياسية التي قد تعطل مساراً واحداً للصادرات.موازنة 2027.. استحقاق لاستعادة انتظام المالية العامةبعد فترة من الإنفاق من دون موازنة سنوية مكتملة، تبدو موازنة 2027 أمام استحقاق آخر يتمثل في إعادة انتظام دورة التخطيط المالي.فالموازنة ليست مجرد قانون للإنفاق، وإنما الأداة التي تحدد أولويات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية للسنة المقبلة.ولهذا فإن نجاحها لا يرتبط فقط بإقرار رقم إجمالي كبير، بل بقدرة الحكومة على تحديد ما يمكن تمويله فعلياً، وتجنب بناء التزامات جديدة على إيرادات غير مؤكدة، وربط الإنفاق الاستثماري بالمشاريع القابلة للتنفيذ.الاختبار الحقيقيفي النهاية، تواجه موازنة 2027 معادلة مالية دقيقة: إنفاق تشغيلي يصعب خفضه، استثمار يحتاج إلى تمويل، إيرادات نفطية معرضة للتقلب، وإيرادات غير نفطية ما تزال بحاجة إلى وقت حتى تصبح رافداً كبيراً للخزينة.وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الموازنة قد تقترب من 200 تريليون دينار، بينما تحذر تقديرات اقتصادية من عجز قد يتجاوز 60 تريليوناً، في وقت تستعد فيه الحكومة للانتقال إلى موازنة البرامج والأداء ومحاولة إعادة ترتيب الإنفاق وربطه بالنتائج.وبينما لا تستطيع الدولة التخلي عن الإنفاق الضروري أو الالتزامات الاجتماعية، فإن توسيع الاقتراض يفتح التزامات مالية جديدة، فيما يبقى خفض الاعتماد على النفط مرتبطاً بإصلاحات في الضرائب والكمارك والزراعة والصناعة والسياحة والخدمات.لذلك، فإن موازنة 2027 تضع العراق أمام اختبار يتجاوز حجم العجز: هل تستطيع الدولة أن تبني إنفاقها على إيرادات واقعية، وتحمي النفقات الأساسية، وتوجه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة، في الوقت الذي تبحث فيه عن اقتصاد يستطيع تمويل نفسه بعيداً عن تقلبات النفط؟وهنا سيكون الفارق بين موازنة تعالج سنة مالية واحدة، وموازنة تضع أساساً لمسار مالي أكثر استدامة، مرتبطاً بقدرة الحكومة على مواءمة الإنفاق مع الإيرادات الفعلية، وإدارة مخاطر النفط، ومنع تحول العجز السنوي إلى التزام متراكم على السنوات المقبلة.







