حرية
يمثل التفاهم المبدئي بين سلطنة عُمان وإيران بشأن تنظيم الملاحة في مضيق هرمز أول خطوة عملية لاحتواء التداعيات البحرية للمواجهة العسكرية التي اندلعت أواخر شباط/فبراير 2026، ويفتح الباب أمام ترتيبات مؤقتة قد تعيد تشغيل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز والتجارة العالمية.
وبحسب مصادر مطلعة على المفاوضات، فإن التفاهم لا يقتصر على إعادة فتح المضيق، بل يتضمن ترتيبات أمنية وفنية لإدارة حركة السفن وتبادل المعلومات وتقاسم مسؤوليات الإشراف البحري بين طهران ومسقط، ضمن مرحلة انتقالية تمتد بين 60 و120 يوماً، بهدف إعادة الملاحة بصورة تدريجية وتقليل احتمالات الاحتكاك العسكري.
وتتضمن المقترحات إنشاء مركز تنسيق مشترك لمتابعة حركة السفن وتبادل البيانات الأمنية والهيدروغرافية بصورة مستمرة، إلى جانب تحديد ممرات بحرية واضحة لحركة الدخول والخروج، بما يقلل من مخاطر الاعتراض أو وقوع حوادث خلال المرحلة الانتقالية.
ووفق التسريبات، ستخضع السفن المتجهة إلى الخليج لمسار شمالي قريب من المياه الخاضعة للإشراف الإيراني، فيما تخصص حركة السفن المغادرة لمسار جنوبي بمحاذاة المياه الإقليمية العُمانية، مع عدم فرض رسوم إلزامية على السفن التجارية، والسماح بتقديم خدمات أمنية وبيئية اختيارية مقابل رسوم للراغبين فيها.
مسقط تحاول منع تحويل هرمز إلى ساحة صراع
تكشف تفاصيل التفاهم عن محاولة عُمانية واضحة للفصل بين تنظيم الملاحة وبين مسألة السيادة على المضيق. فمسقط، بحسب المصادر، تمسكت بأن تكون الترتيبات ذات طبيعة فنية ومؤقتة، وألا تتضمن أي صيغة يمكن تفسيرها باعتبارها اعترافاً بسيادة طرف على الممر المائي.
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ظل حساسية مضيق هرمز بموجب قواعد القانون الدولي للبحار، إذ إن تحويل المرور التجاري إلى مصدر رسوم إلزامية أو أداة للضغط السياسي قد يفتح أزمة قانونية ودبلوماسية جديدة، بدلاً من معالجة الأزمة القائمة.
كما تسعى سلطنة عُمان، التي لعبت تاريخياً دور الوسيط بين إيران والغرب، إلى الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التواصل مع مختلف القوى، من دون الانخراط في ترتيبات قد تضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو أي طرف إقليمي آخر.
طهران تربط فتح المضيق بإنهاء الحصار
في المقابل، تبدو إيران أكثر حذراً في التعامل مع فكرة إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، إذ تربط التشغيل الآمن والمستدام للممر البحري بإنهاء الحصار البحري المفروض على موانئها وصادراتها.
وتعكس هذه المقاربة محاولة طهران تحويل ورقة هرمز من أداة ضغط عسكرية إلى ورقة تفاوضية يمكن استخدامها للحصول على تنازلات مقابلة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالعقوبات والتجارة والطاقة.
ومن هذه الزاوية، فإن التفاهم العُماني ـ الإيراني لا يمثل اتفاقاً نهائياً بقدر ما يشكل اختباراً لمدى قدرة الطرفين على فصل الملف الملاحي عن الملفات العسكرية والسياسية الأوسع.
واشنطن أمام معادلة دقيقة
يمثل التفاهم تحدياً للإدارة الأمريكية، التي تجد نفسها أمام معادلة مزدوجة: فهي تحتاج إلى استعادة استقرار الملاحة لتجنب أزمة جديدة في أسواق النفط والطاقة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد منح إيران أي صيغة يمكن أن تُفهم باعتبارها اعترافاً بدور حصري في إدارة المضيق.
ولهذا، من المرجح أن تتعامل واشنطن مع الترتيبات بمنطق “الخطوة مقابل الخطوة”، بحيث يكون أي انفتاح أو تخفيف للضغوط مرتبطاً بسلوك إيران على الأرض، خصوصاً في ما يتعلق بأمن السفن وعدم التعرض للملاحة الدولية.
كما أن أي ترتيبات مالية مباشرة مع جهات إيرانية قد تواجه عقبات إضافية بسبب العقوبات الأمريكية، وهو ما يجعل آلية تنفيذ الاتفاق أكثر تعقيداً من مجرد الاتفاق على خطوط الملاحة.
هل يتحول هرمز من ساحة مواجهة إلى ورقة تفاوض؟
الأهمية الحقيقية للتفاهم لا تكمن فقط في إعادة حركة السفن، بل في كونه قد يمثل بداية لتحويل مضيق هرمز من ساحة مواجهة عسكرية إلى قناة تفاوضية بين الأطراف المتصارعة.
فإيران تمتلك ورقة جغرافية شديدة التأثير، فيما تمتلك الولايات المتحدة أدوات عسكرية ومالية واسعة، بينما توفر عُمان قناة اتصال يصعب الاستغناء عنها في ظل انعدام الثقة بين واشنطن وطهران.
وإذا نجحت الترتيبات المؤقتة في خفض المخاطر وعودة شركات الشحن والتأمين إلى العمل بصورة طبيعية، فقد تتحول الفترة الانتقالية إلى اختبار عملي يمكن البناء عليه لتفاهم أطول وأكثر استقراراً.
لكن الخطر يكمن في بقاء الاتفاق مرتبطاً بتطورات عسكرية وسياسية خارج المضيق. فأي ضربة جديدة، أو حادث بحري، أو تصعيد بين إيران والولايات المتحدة، يمكن أن يعيد إغلاق المسار التفاوضي بسرعة.
كما أن نجاح التفاهم سيكون له أثر مباشر على العراق ودول الخليج، باعتبار أن استقرار هرمز لا يعني فقط عودة حركة التجارة، بل خفض تكاليف التأمين والنقل واستعادة قدر أكبر من الاستقرار في أسواق الطاقة.
وعليه، فإن اتفاقاً مؤقتاً يمتد 60 أو 120 يوماً قد يبدو محدوداً زمنياً، لكنه يحمل اختباراً أكبر بكثير: هل تستطيع الأطراف المتصارعة إنتاج ترتيبات أمنية قابلة للحياة في أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، أم أن هرمز سيبقى رهينة لأي جولة جديدة من التصعيد؟







