حرية
رجّحت كوريا الجنوبية إمكانية عقد لقاء جديد بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وسط مؤشرات على وجود حوار بين واشنطن وبيونغ يانغ، رغم عدم ظهور دلائل مؤكدة حتى الآن على إجراء اتصالات مباشرة بين الطرفين.
وقال النائب الكوري الجنوبي يون كون-يونغ، نقلاً عن إيجاز قدمته وكالة الاستخبارات الوطنية في بلاده، إن احتمال عقد قمة بين ترامب وكيم “وارد في أي وقت”، مشيراً في الوقت نفسه إلى عدم وجود معلومات مؤكدة بشأن اتصالات ملموسة بين الجانبين، لكن هناك مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بوجود مسار حوار قائم.
ويعيد هذا التقييم الاستخباري ملف العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ إلى الواجهة، بعد سنوات من الجمود الذي أعقب فشل المفاوضات السابقة في التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي والصاروخي لكوريا الشمالية.
وكان ترامب قد طرح خلال الفترة الماضية إمكانية عقد لقاء جديد مع كيم، في محاولة لإحياء القناة الدبلوماسية التي فتحها خلال ولايته الأولى، عندما عقد الزعيمان ثلاث قمم تاريخية، لكنها انتهت من دون اتفاق نهائي حول نزع السلاح النووي الكوري الشمالي.
كيم يترك الباب موارباً
ورغم أن بيونغ يانغ لم تستجب بصورة واضحة لدعوة ترامب، فإن تصريحات رسمية كورية شمالية حملت إشارات إيجابية تجاه الرئيس الأميركي، إذ أكدت أن كيم جونغ أون لا يزال يحمل “ذكريات ومشاعر طيبة” تجاه ترامب، وأن العلاقة بينهما لم تصل إلى مرحلة القطيعة الشخصية.
لكن هذه الرسائل الودية لا تعني بالضرورة استعداد كوريا الشمالية للعودة إلى مفاوضات تتناول نزع السلاح النووي، وهو الملف الذي يمثل العقبة الأكبر أمام أي تسوية بين الطرفين.
وتبدو بيونغ يانغ في موقع تفاوضي مختلف عن السابق، بعدما عززت قدراتها الصاروخية والنووية، وحصلت على دعم أكبر من روسيا والصين في ظل التحولات التي شهدها النظام الدولي نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية وتصاعد التنافس بين واشنطن وبكين.
السلاح النووي ورقة كيم الأقوى
ويأتي الحديث عن القمة المحتملة في وقت رفعت فيه كوريا الشمالية من سقف خطابها النووي والعسكري. وكان ترامب قد أشار في أغسطس الماضي إلى تقديرات أميركية تفيد بامتلاك بيونغ يانغ نحو 57 رأساً نووياً، في اعتراف يعكس حجم التحدي الذي تمثله الترسانة الكورية الشمالية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في شرق آسيا.
كما أن بيونغ يانغ لم تتخل عن سياسة تطوير الصواريخ الباليستية، إذ أطلقت أكثر من عشرة صواريخ قصيرة المدى بعد ساعات من إعلان ترامب إمكانية لقائه كيم خلال العام الحالي.
وتشير هذه المعطيات إلى أن كوريا الشمالية لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات مجانية، بل تسعى إلى الدخول في أي مفاوضات مستقبلية من موقع قوة، مستفيدة من ترسانتها النووية وعلاقاتها المتنامية مع موسكو وبكين.
المناورات تضعف فرص التقارب
وفي المقابل، لا تزال البيئة الأمنية في شبه الجزيرة الكورية شديدة التوتر. فالمناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، إلى جانب التدريبات الثلاثية مع اليابان، تثير باستمرار غضب بيونغ يانغ التي تعتبرها تدريبات تمهيدية لعمل عسكري ضدها.
وكان قرار واشنطن تقليص نطاق المناورات الأميركية – الكورية الجنوبية قد أثار تكهنات بشأن رغبة ترامب في تخفيف التوتر وتهيئة ظروف أفضل لاستئناف الحوار مع كيم.
إلا أن بيونغ يانغ ردت بإطلاق الصواريخ، كما انتقدت المناورات البحرية المرتقبة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، ما يؤكد أن مسار التهدئة لا يزال هشاً وقابلاً للانتكاس في أي لحظة.
لماذا قد يتردد كيم؟
ويرى محللون أن امتلاك بيونغ يانغ أوراقاً استراتيجية أكبر قد يقلل من دوافعها للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية.
وقال يانغ مو-جين، الرئيس السابق لجامعة الدراسات الكورية الشمالية، إن حوافز الحوار بالنسبة إلى كوريا الشمالية تبدو محدودة، خصوصاً في ظل استفادتها من تعمق المواجهة بين روسيا والغرب، ومن تصاعد التوتر بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان من جهة، وكوريا الشمالية والصين وروسيا من جهة أخرى.
وهنا تكمن إحدى أبرز العقبات أمام أي قمة جديدة؛ فترامب قد يبحث عن إنجاز دبلوماسي يعيد إحياء تجربة القمم السابقة، بينما قد يرى كيم أن مرور السنوات وتطور قدراته النووية والصاروخية جعلاه أقل حاجة إلى تقديم تنازلات.
الصين وروسيا تغيران المعادلة
ولا يمكن فصل أي مفاوضات أميركية – كورية شمالية عن التحولات الأوسع في المنطقة.
فالصين تمثل الشريك التجاري والداعم الدبلوماسي الأبرز لبيونغ يانغ، بينما أدى التقارب المتزايد بين كوريا الشمالية وروسيا إلى توفير مساحة استراتيجية جديدة أمام النظام الكوري الشمالي.
وفي ظل هذه البيئة، لم تعد كوريا الشمالية تواجه الولايات المتحدة منفردة، كما أن أي اتفاق أميركي معها سيكون مرتبطاً بصورة غير مباشرة بالتنافس الأميركي – الصيني وبالعلاقة المتنامية بين بيونغ يانغ وموسكو.
سيول أمام معادلة صعبة
أما كوريا الجنوبية، التي يتبنى رئيسها لي جاي ميونغ سياسة أكثر انفتاحاً تجاه الشمال، فتواجه معادلة معقدة؛ فهي تريد تخفيف التوتر وفتح قنوات للحوار، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على التحالف العسكري مع الولايات المتحدة لمواجهة التهديد الكوري الشمالي.
ورغم مبادرات سيول، رفضت بيونغ يانغ حتى الآن الانخراط في مسار حوار مباشر معها، بل وصفت الجنوب بأنه “العدو الأكثر عدوانية”، وأكدت تمسكها بهويتها كدولة نووية.
قمة محتملة ولكن بشروط مختلفة
المؤشرات الحالية لا تكفي للقول إن قمة ترامب وكيم باتت وشيكة، لكنها تكشف عن وجود نافذة سياسية يمكن أن تتحول إلى مسار تفاوضي إذا قرر الطرفان استثمارها.
واللافت أن أي لقاء جديد لن يكون نسخة من قمم الولاية الأولى لترامب؛ فالمعادلة تغيرت، وكوريا الشمالية أصبحت أكثر قوة من الناحية النووية والصاروخية، بينما تواجه الولايات المتحدة ملفات دولية متعددة، من الحرب مع إيران إلى التنافس مع الصين والحرب الروسية – الأوكرانية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: هل سيلتقي ترامب وكيم؟ بل أصبح: ما الذي يمكن أن يقدمه كل طرف للآخر؟
فإذا كان ترامب يريد إنجازاً دبلوماسياً جديداً، فإن كيم يريد على الأرجح اعترافاً عملياً بموقع بلاده كقوة نووية وضمانات أمنية واقتصادية، وهو ما قد يجعل أي مفاوضات مقبلة أكثر تعقيداً من سابقاتها.
وبين رغبة واشنطن في إعادة فتح باب التفاوض، وتمسك بيونغ يانغ بترسانتها النووية، ودخول روسيا والصين بقوة أكبر في المعادلة، تبدو شبه الجزيرة الكورية أمام مرحلة اختبار جديدة، قد تبدأ بقمة سياسية، لكنها لن تنتهي بسهولة من دون اتفاق على السؤال الأصعب: ماذا سيكون مصير السلاح النووي لكوريا الشمالية؟







