حرية
بحث وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، آخر التطورات الإقليمية وتداعياتها على أمن واستقرار المنطقة، في ظل استمرار التوترات السياسية والأمنية.
وأكد دار أهمية التزام جميع الأطراف بخيار خفض التصعيد وضبط النفس، انسجاماً مع ما نصّت عليه مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في حزيران/يونيو 2026، مشدداً على ضرورة تجنب أي خطوات من شأنها توسيع دائرة التوتر.
وأشار وزير الخارجية الباكستاني إلى أن الحوار والدبلوماسية يمثلان الخيار الأكثر واقعية واستدامة لتسوية النزاعات، مؤكداً أن تحقيق السلام الدائم يتطلب اعتماد الحلول السياسية وتعزيز قنوات التواصل بين الأطراف المعنية.
كما جدد استعداد باكستان لمواصلة أداء دورها في دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، والمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الدول المعنية بالأزمات الراهنة.
لا يمكن النظر إلى الاتصال بين وزيري خارجية باكستان وإيران بمعزل عن التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، إذ يأتي في مرحلة تتزايد فيها التحركات الدبلوماسية الهادفة إلى احتواء التوترات ومنع انتقالها إلى مواجهات مفتوحة قد تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.
وتدرك باكستان أن أي تصعيد بين القوى الإقليمية ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها القومي، سواء من خلال حدودها المشتركة مع إيران، أو عبر تداعياته على حركة التجارة والطاقة، أو من خلال تأثيره على الاستقرار في أفغانستان وآسيا الوسطى. لذلك، تحاول إسلام آباد ترسيخ سياسة خارجية تقوم على التوازن بين علاقاتها مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة والصين، بما يضمن الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية دون الانخراط في سياسة المحاور.
ويكتسب تأكيد وزير الخارجية الباكستاني على الالتزام بمذكرة تفاهم إسلام آباد أهمية خاصة، إذ يشير إلى رغبة بلاده في تحويل التفاهمات السياسية السابقة إلى إطار عملي لإدارة الأزمات، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل الدبلوماسية المؤقتة.
كما يعكس هذا الاتصال سعي باكستان إلى توسيع حضورها الدبلوماسي كلاعب إقليمي قادر على التواصل مع مختلف الأطراف، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع القوى المتنافسة في المنطقة. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه عدة عواصم تحركات متزامنة لإحياء مسارات الحوار، بعد أن أثبتت التجارب الأخيرة أن الخيارات العسكرية، رغم قدرتها على فرض معادلات ميدانية مؤقتة، لم تنجح في إنتاج استقرار دائم.
ومن زاوية أوسع، فإن تكرار الدعوات إلى الحوار والدبلوماسية يعكس إدراكاً متزايداً لدى دول المنطقة بأن استمرار حالة الاستقطاب يهدد الأمن الجماعي ويؤثر سلباً في الاستثمارات وأسواق الطاقة والممرات التجارية الدولية، وهو ما يدفع عدداً من القوى الإقليمية إلى تبني أدوار الوساطة بدلاً من الانخراط في النزاعات.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يشير التحرك الباكستاني إلى محاولة لإعادة تموضع إسلام آباد كوسيط إقليمي، مستفيدة من شبكة علاقاتها الواسعة مع طهران والرياض وبكين وواشنطن، بما يمنحها هامشاً للتحرك في الملفات الإقليمية الحساسة. وإذا نجحت في الحفاظ على هذا التوازن، فقد تصبح خلال المرحلة المقبلة أحد أبرز الوسطاء في إدارة الأزمات، خاصة مع تنامي الحاجة إلى قنوات تواصل قادرة على تخفيف حدة الاستقطاب ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات جديدة.
وفي المحصلة، فإن الاتصال بين إسحاق دار وعباس عراقجي لا يمثل مجرد تنسيق دبلوماسي اعتيادي، بل يعكس توجهاً أوسع نحو تفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية، في ظل قناعة متزايدة بأن استقرار الشرق الأوسط لن يتحقق إلا عبر الحوار والتفاهمات السياسية، وليس من خلال التصعيد العسكري أو سياسة المحاور.







