حرية
لم تكن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد إيران مجرد اختبار لقدراتها العسكرية في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى اختبار غير مسبوق لقدرة أكبر جيش في العالم على خوض حرب طويلة دون استنزاف مخزوناته الاستراتيجية من الذخائر الدقيقة.
فبحسب ثلاثة مصادر مطلعة تحدثت إلى وكالة “رويترز”، استخدم الجيش الأميركي معظم مخزونه من الصواريخ البرية بعيدة المدى عالية الدقة خلال الأشهر الخمسة الماضية من المواجهة مع إيران، في تطور يثير تساؤلات داخل المؤسسات العسكرية الأميركية بشأن مدى جاهزية واشنطن لأي مواجهة متزامنة مع قوى كبرى مثل الصين أو روسيا.
وتشير المعلومات إلى أن الولايات المتحدة استهلكت ما وصفته المصادر بـ”تقريباً جميع” صواريخ ATACMS التكتيكية، إضافة إلى معظم صواريخ PrSM (Precision Strike Missile)، وهي الجيل الجديد الذي تعول عليه واشنطن ليحل محل “أتاكمز” خلال السنوات المقبلة.
حرب استنزاف غير متوقعة
عندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب شن العمليات العسكرية ضد إيران في أواخر فبراير الماضي، كانت التقديرات داخل الإدارة الأميركية تشير إلى أن المواجهة ستكون قصيرة وسريعة، وأن الضربات الدقيقة ستكون كافية لإجبار طهران على التراجع.
لكن مع اتساع رقعة العمليات واستمرارها لأشهر، تحولت الحرب إلى معركة استنزاف للذخائر المتطورة، وهو ما دفع القيادة المركزية الأميركية إلى سحب ذخائر إضافية من مخازن وقواعد عسكرية في مناطق مختلفة من العالم لتعويض النقص في الشرق الأوسط.
وتؤكد المصادر أن القيادة المركزية استخدمت تقريباً كامل مخزونها من الصواريخ البرية قبل أن تبدأ عملية إعادة التزويد من مخازن أخرى، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له الترسانة الأميركية.
لماذا تعد هذه الصواريخ مهمة؟
لا تكمن أهمية صواريخ “أتاكمز” و”بريزم” في مداها الطويل فحسب، بل في قدرتها على إصابة أهداف عالية القيمة بدقة كبيرة دون الحاجة إلى تعريض الطائرات والطيارين للخطر.
وتستخدم هذه الصواريخ لضرب:
- مراكز القيادة والسيطرة.
- بطاريات الدفاع الجوي.
- القواعد العسكرية.
- مستودعات الذخيرة.
- البنية التحتية العسكرية الحيوية.
أما صواريخ “بريزم” فتعد السلاح الذي تعول عليه واشنطن مستقبلاً في أي مواجهة محتملة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، نظراً لمدى أطول ودقة أعلى مقارنة بسابقتها.
أزمة تمتد إلى أنظمة الدفاع
ولا يقتصر الاستنزاف على الصواريخ الهجومية فقط.
فوفقاً لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، استهلكت الولايات المتحدة منذ بداية الحرب:
- نحو 65% من صواريخ باتريوت الاعتراضية.
- ما لا يقل عن 38% من صواريخ ثاد (THAAD).
- قرابة نصف المخزون العالمي من صواريخ توماهوك، بحسب أحد المصادر المطلعة.
ويعني ذلك أن الولايات المتحدة استهلكت خلال بضعة أشهر جزءاً كبيراً من أهم منظوماتها الدفاعية والهجومية، وهي أسلحة تحتاج سنوات لإعادة إنتاجها بكميات كبيرة.
البيت الأبيض يقلل من المخاوف
ورغم هذه المعلومات، حاول البيت الأبيض طمأنة الداخل الأميركي.
وقال الرئيس دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تمتلك ذخائر “أكثر بكثير من أي دولة أخرى في العالم”، مؤكداً أن شركات الصناعات الدفاعية تعمل حالياً بأعلى طاقتها الإنتاجية، مع توسعة خطوط التصنيع لتلبية الطلب المتزايد.
كما شدد البنتاغون على أن الجيش الأميركي ما زال يمتلك القدرات الكاملة لتنفيذ أي عملية يقررها الرئيس، مؤكداً أن جاهزية القوات لم تتأثر.
هل كشفت الحرب حدود القوة الأميركية؟
يرى خبراء عسكريون أن ما كشفته الحرب مع إيران يمثل تحولاً مهماً في التفكير العسكري الأميركي.
فبعد عقود من خوض عمليات قصيرة ضد جماعات مسلحة أو جيوش أضعف، وجدت واشنطن نفسها أمام حرب استنزفت كميات ضخمة من الذخائر الدقيقة خلال أشهر قليلة فقط، رغم أن إيران ليست بحجم الصين أو روسيا من حيث القدرات العسكرية.
ويؤكد محللون أن هذه التجربة أعادت فتح النقاش داخل البنتاغون حول حجم المخزونات المطلوبة لخوض حرب طويلة متعددة الجبهات، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوتر في منطقة المحيط الهادئ، واستمرار الالتزامات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط.
إنتاج قياسي… لكنه لا يكفي
ورغم إعلان شركات مثل لوكهيد مارتن ورايثيون زيادة معدلات الإنتاج، فإن تصنيع الصواريخ المتطورة لا يتم خلال أسابيع، بل يحتاج إلى أشهر وربما سنوات، بسبب تعقيد سلاسل التوريد واعتمادها على مكونات إلكترونية وتقنيات عالية الدقة.
ولهذا يرى خبراء أن زيادة الإنتاج الحالية لن تعوض سريعاً ما استُهلك خلال الحرب، خصوصاً إذا اندلع نزاع جديد قبل اكتمال إعادة بناء المخزونات.
معضلة استراتيجية
تكشف هذه التطورات أن التفوق العسكري الأميركي لم يعد يقاس فقط بحجم الترسانة الموجودة، بل بسرعة القدرة على تعويضها خلال الحروب الطويلة.
فإذا كانت مواجهة استمرت خمسة أشهر مع إيران قد استنزفت نسبة كبيرة من أهم الذخائر الأميركية، فإن أي صراع مستقبلي مع قوة عسكرية كبرى مثل الصين قد يفرض تحديات أكبر بكثير، ليس فقط على الجيش الأميركي، بل على القاعدة الصناعية الدفاعية التي أصبحت مطالبة بإنتاج كميات غير مسبوقة من الأسلحة الدقيقة.
وفي المقابل، تمنح هذه المؤشرات خصوم واشنطن قراءة مختلفة لموازين القوة، إذ إن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يضمن وحده التفوق، ما لم يكن مدعوماً بقدرة صناعية ولوجستية تسمح بإدامة الحرب لفترات طويلة، وهو الدرس الأبرز الذي أفرزته المواجهة الأميركية الإيرانية حتى الآن.






