جون رينتول
اشتدت الرغبة في التغيير لحدّ بات يهدد تماسك المملكة المتحدة، فبعد هذه الانتخابات ستتولى قيادة الأجزاء الثلاثة من المملكة المتحدة التي تتمتع بحكومات مفوّضة شخصيات سياسية تريد الانفصال عن إنجلترا.
ويعني هذا الاستقطاب والانقسام أن الحزبين اللذين هيمنا على السياسة الوطنية طوال 100 عام لم يقتصر أمرهما على تلقي هزيمة مذلة على يد الوافدين الجدد، “ريفورم” و”الخضر”، بل إن ويلز نفسها صوتت لمصلحة القوميين للمرة الأولى.
ومن المرجح أن يصبح رون أب يورويرث، زعيم “بلايد كيمري” المعروف سابقاً باسم رون جونز، وزيراً أول، وسينضم إلى جون سويني من الحزب “الوطني” الاسكتلندي في إدنبرة وميشيل أونيل من “شين فين” في بلفاست بوصفهم وزراء أولين لحكومات مفوضة، وهم لا يرون في تفويض الصلاحيات غاية في حد ذاته بل مجرد مسار يقود إلى الخروج من المملكة المتحدة.
وبالنسبة إلى من يريدون الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة فإن هذا المسار يبعث على القلق، فكأن نقل الصلاحيات إلى الحكومات المحلية، وهو أمر عُدّ طويلاً من المسلمات شبه المتفق عليها في الديمقراطية الليبرالية، كان في الأصل فكرة سيئة، مثلما حذّر بعض المعارضين غير التقليديين منذ سبعينيات القرن الماضي.
يرتبط جزء من هذا الاتجاه بطبيعة المشهد السياسي في ويلز، فلم يحقق حزب العمال نجاحاً يُذكر في الحكم هناك، وهو ما كان واضحاً في الطريقة التي استخدمت بها آخر حكومة محافظة سجلّ حزب العمال الويلزي في ملفي “هيئة الخدمات الصحية الوطنية” والتعليم لمهاجمة الحزب على المستوى الوطني.
وفي الماضي كان الاستياء من حزب العمال في ويلز يصب أحياناً في مصلحة “الليبراليين الديمقراطيين”، وربما “المحافظين” أيضاً في المناطق الأكثر ثراء، وقد انجذب جزء من هذا السخط أخيراً إلى نايجل فاراج حد أن حزب “ريفورم” أطلق بيانه الانتخابي لانتخابات عام 2024 في ميرثير تيدفيل.
غير أن ويلز، شأنها شأن اسكتلندا، تميل إلى اعتبار نفسها أكثر يسارية من إنجلترا، ولذلك فعندما جاءت أول تجربة فعلية في الانتخابات الفرعية لمقعد كايرفيلي في البرلمان الويلزي العام الماضي، ذهب التصويت الاحتجاجي المناهض لحزب العمال إلى “بلايد”، والآن تكرر الأمر نفسه في عموم ويلز.
واتضح أن تفويض الصلاحيات كان بالفعل مساراً لا يسير إلا في اتجاه واحد، تماماً كما ظل معارضوه يقولون، ففي اسكتلندا، وعلى رغم أن سجل الحزب الوطني الاسكتلندي في الحكم أسوأ بكثير من سجل حزب العمال في ويلز، فإنه ينجو من العقاب السياسي لأنه انتقل بسلاسة من كونه وعاء للاحتجاج على حكومة محافظين غير شعبية في وستمنستر إلى وعاء للاحتجاج على حكومة عمال غير شعبية.
ولحسن الحظ لا توجد في أي جزء من المملكة المتحدة نزعة انفصالية عريضة وعميقة بما يكفي لتهدد الاتحاد تهديداً وشيكاً، فخطاب “بلايد” يتمحور بدرجة كبيرة حول الاعتزاز بالهوية الويلزية لا حول الدفع إلى استفتاء على الاستقلال، الذي لا يزال هدفاً بعيداً وأقرب إلى الفرضية منه إلى المشروع الفعلي.
في اسكتلندا بدأ يترسخ أن استفتاء عام 2014 كان بالفعل قراراً يُتخذ مرة واحدة في كل جيل، وأنه لا مجال لاستفتاء جديد لمجرد أن التأييد للاستقلال في استطلاعات الرأي يتأرجح حول 50 في المئة، ولا سيما أن السؤال، إذا صيغ على طريقة استفتاء “بريكست”، “هل ينبغي لاسكتلندا أن تبقى في المملكة المتحدة أم تغادرها؟”، يمنح معسكر البقاء تقدماً بنحو 60 في المئة مقابل 40 في المئة، ويقال إن المشاركين في مجموعات النقاش في اسكتلندا كثيراً ما يبدون مستغربين إذا قيل لهم إن التصويت للحزب “الوطني” الاسكتلندي يعني أنهم يريدون الاستقلال قريباً، أو حتى أنهم يريدونه أصلاً.
وحتى في إيرلندا الشمالية حيث بدد الحزب “الاتحادي الديمقراطي” أوراقاً قوية على نحو سيئ بصورة مدهشة، لا يزال التأييد لإيرلندا الموحدة محدوداً، ويرجع ذلك جزئياً للاتحاديين الكاثوليك، وهم شريحة انتخابية مهملة.
لكن لا شك في أن العاصفة التي أطلقها استفتاء اسكتلندا عام 2014 لم يعد ممكناً احتواؤها من جديد، فقد امتدت الآن إلى ويلز وأصبح “ريفورم” في كل من اسكتلندا وويلز أحد أبرز الأحزاب المؤيدة للاتحاد، وهذا موقع غريب لحزب يُصوّر كثيراً على أنه قومي إنجليزي، وأنه يجعل الحفاظ على جبهة اتحادية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
ولا يقتصر انهيار النظام القديم في السياسة البريطانية على احتمال أن تطغى حركات جديدة على الحزبين التقليديين، بل يمتد أيضاً إلى ما يفرضه ذلك من ضغوط أكبر على المملكة المتحدة نفسها.





