مصطفى الفقي
كلاهما تعبير نظري قد لا يتحقق أبداً، فاستقراء تاريخ الصراعات الدولية والخلافات الإقليمية يؤكد لنا أن التسوية الدائمة طرح مثالي لا وجود له في الواقع، كما أن السلام الشامل حال نظرية تتمثل فيها “يوتوبيا” ملائكية لعلاقات بعيدة من تلك التي شهدناها بين البشر، فكل الحروب الكبرى والنزاعات المسلحة انتهت في الغالب بمائدة مفاوضات للوصول إلى حل في منتصف الطريق، خصوصاً إذا كان كل طرف يتصور أو يتوهم أنه هو المنتصر وأن الطرف الآخر عليه أن يرفع رايات الاستسلام، فإن ما نراه حالياً من مشهد واسع يؤكد حقيقة مؤداها أن النصر شعور ذاتي وأن الهزيمة انهيار داخلي وسوف يظل الصراع بين قابيل وهابيل ممتداً مع تاريخ البشرية منذ بدايته المعروفة.
إن ما نشهده هذه الأيام من شد وجذب وصعود وهبوط في بورصة الصدام بين إيران من جانب والولايات المتحدة وربيبتها المدللة إسرائيل سوف يظل علامة فارقة في صراع القوى وغياب التوازن بين الأطراف في كل الصراعات، فطهران ترى، ومعها بعض مؤيديها، أنها حققت انتصاراً نسبياً بالصمود الطويل لأشهر عدة والقتال الدامي من دون تراجع، على رغم اعترافنا واعترافهم بحجم الخسائر الضخمة وما حل بإيران من ضربات قاتلة أنهت حياة المرشد العام بعد دقائق من بداية الحرب، كذلك فإن إيران تتميز بأسلوب شديد الالتواء في التفاوض فهي لا تعترف بالحقائق ولكنها تتمسك بالأوهام، وقد وقعت طهران في خطيئة كبرى مع بداية العمليات العسكرية حين وجهت سهامها إلى صدور جيرانها العرب رفاق التاريخ وشركاء الحضارة بدلاً من أن تسعى إليهم طلباً للوساطة المتوازنة والرؤية العادلة، فكانت أن أطلقت قذائفها على دول الخليج العربي من دون مبرر مفهوم أو إدراك حقيقي لمغزى ما تسعى إليه طهران، وكأنما هي تريد تعويض سقوط الساحات بمفهومها العقائدي وتركيبتها الخاصة بعملية اجتياح للجيران على نحو غير مسبوق وليست له دلالات في المواجهات التاريخية المعروفة.
كما أن إيران تراوغ في صراع مع الوقت بمسألة الخيار العسكري النووي ولا تعطي رداً واضحاً ولكنها تجيد التهرب من الأسئلة الصعبة بإجابات مبهمة وآراء متداخلة، ولا بد من أن أعترف أن مسألة مضيق هرمز كانت نجدة سماوية لحكم الملالي في إيران، ولقد تيقن الجميع أن ذلك الممر المائي تحول إلى “كارت” سياسي واستراتيجي تمارس به طهران ضغطاً على واشنطن وحلفائها، بل على المجتمع الدولي كله شريك المصلحة الذي تتأثر أحواله اقتصادياً من إغلاق ذلك الممر المائي أو إثارة الاضطرابات حول المرور فيه.
وهنا نعترف مرة أخرى بأن إيران نجحت في توظيف حرية الملاحة لذلك الممر المائي للمضي في الضغط على الولايات المتحدة للخروج منها كرد فعل يساعدها في تحسين وضعها التفاوضي وإكسابها ميزة لم تكُن مطروحة قبل القتال، أما أميركا فهي تدرك على الجانب الآخر أنها حاصرت إيران بحرياً كرد فعل لسياسة واشنطن التي تسعى إلى خنق الدولة الفارسية، كما أن وحدة الساحات التابعة لإيران لم تعُد ببريقها الذي كان لها قبل الحرب على غزة أو ملاحقة عناصر “حزب الله”. أقول إنه لم يعُد لإيران ذلك النفوذ الذي تمتعت به حتى السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، فلقد تغيرت الدنيا وتبدلت الأوضاع ودمرت غزة وتلقى “حزب الله” ضربات موجعة في قيادته وقواعده وهو أمر لم يكُن متوقعاً في ذلك الحيز الزمني المحدود.
وعلى المستوى الدولي، فإننا نرى أن العلاقات الأميركية- الأوروبية لن تعود كما كانت قبل الحرب، بل سوف تظل مثار شد وجذب لأعوام مقبلة إن لم يكُن لعقود منها، ولقد اكتشف الأوروبيون أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة في برامج الدفاع الغربي سواء في إطار الأطلنطي أو خارجه، تخيلات أكثر منها حقائق، كذلك فإن شرخاً علنياً قد أصبح مشهداً مفتوحاً أمام الأطراف كافة، ويكفي أن نتذكر الانتقادات العلنية التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بسبب ظهور الأخير في محاولات مستميتة لإجهاض الاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران.
ويتعين علينا أن نمعن النظر هنا في عدد من القضايا الرئيسة ذات الطابع الفكري والجيوسياسي الذي ينعكس على طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى، خصوصاً في إطار الصراعات الإقليمية التي حلت بديلاً عن الحروب العالمية وإن كانت تؤدي إلى النتيجة ذاتها، فالحروب الموضعية بلغت من كثافة النيران وشدة المعارك ما يجعلنا نقول بلا تردد إنها حرب شاملة وقتال مستمر ويكفي أن نتأمل ساحة المعارك اليومية بين أوكرانيا وروسيا أو مظاهر الخراب التي يمارسها التنمر الإسرائيلي على قرى الجنوب اللبناني لكي ندرك أننا أمام صورة بشعة ومرحلة دامية من الصراع الطويل، لذلك يهمني التركيز على النقاط الآتية:
أولاً، إن العلاقات الدولية المعاصرة ليست محكومة بمعايير الشرعية الدولية أو حتى توازن القوى الظاهرة أمام كل الأطراف ولقد شهدنا خلال العقود الأخيرة حروباً كانت فيها الولايات المتحدة هي القوة الضاربة بدءاً من نهاية الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى محطات كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق ثم إيران، وذلك معناه ببساطة أن العالم محكوم بمعادلات معقدة وقوى صاعدة وأخرى هابطة ولكن الأمر المؤكد هو أن من يملكون القوة تنحاز إليهم الحقيقة وتترسخ لهم مظاهر الشرعية مهما كانت مؤشرات الحق ورايات العدل، فالقوة هي سيدة الموقف وهي الحكم الفاصل بين الأطراف.
ثانياً، إن الصراع في مظهره سياسي واقتصادي بامتياز ولكنه في جوهره عقائدي تاريخي لا يخلو من مسحة دينية وانتكاس حضاري أصبح مطروحاً على الساحة أمام الجميع.
ثالثاً، إن أزمات الطاقة والمياه وتغير المناخ وتلويث التربة تمثل هي وغيرها عوامل جانبية ضاغطة تدعو الأطراف إلى القلق وإلى مزيد من التوتر على امتداد أركان الدنيا الأربعة، فالمليارات الـ8 من البشر على كوكب الأرض تحتاج إلى مزيد من الموارد ولا تقف في حاجاتها عند حدود معينة.
رابعاً، إن تصنيع السلاح وتجارته أصبحا عاملاً مؤثراً في اقتصادات الدول ومراكز القوة للتكتلات الإقليمية المعاصرة، ولا شك في أن التفوق الأميركي مرتبط بالتقدم في تصنيع السلاح والتدريب عليه وتوظيفه على النحو الذي شهدناه خلال المعارك الأخيرة.
خامساً، إن الأمر الذي لا مراء فيه هو أن الحرب الإعلامية تمارس دوراً كبيراً في تزييف الحقائق وتحويل الهزائم إلى انتصارات من أجل خلق صورة مطلوبة لدول معينة ونظم بذاتها، إننا أمام عالم جديد يتهيأ لثورة كبرى في دنيا الذكاء الاصطناعي والقدرة الفائقة على توظيف التكنولوجيا الحديثة لخدمة أهداف بذاتها وأغراض بعينها.
إن التسوية الدائمة والسلام الشامل كلاهما يأتي من عبارات براقة تستهوي القلوب وتسيطر على الأفئدة بينما الواقع مختلف تماماً، فالتسوية الدائمة المستقرة أمر صعب المنال كما أن السلام الدائم حلم تعيش عليه الشعوب، ونسي الجميع أن كل تسوية وكل سلام ترتبط بهما أسباب جديدة للتوتر وعوامل مختلفة للصراع، لذلك فإنه من الأجدر على المنظمات الدولية والمؤسسات العلمية، بل المراكز البحثية أن تنصرف جهودها لفهم ما هو قائم والتهيؤ لاستقبال ما هو مقبل.
إننا نواجه عالماً جديداً تتغير فيه الحقائق وتتبدل الأوضاع، فيصبح السلام الدائم حلماً ضبابياً وتتحول التسوية الدائمة إلى هدنة زمنية لا تلبث أن تنهار مع العواصف المقبلة والمشكلات المتجذرة بل الأزمات العابرة… إنه عالم جديد يحتاج إلى رؤية مختلفة وقدرة على استشراف المستقبل وفك رموزه وفهم أبعاده.






